التراث المكتوب

التراث المكتوب لقصبة الجزائر

معظم السجل المكتوب لهذا الحي ليس في مكتبة. إنه منقوش في الرخام، ومثبّت بالنار في الخزف، وملتصق بمبانٍ تتهاوى.

اسأل أين تحفظ مدينةٌ كتابتها، يكن الجواب في الغالب: في الأرشيف. أما في القصبة فالجواب، إلى حد بعيد، هو المباني نفسها. فقد وُضعت التواريخ وأسماء الواهبين والإهداءات والأدعية في المنابر والمحاريب وجدران السقايات وأطر الأبواب، وهذا السجل النقائشي يؤدي عملًا تاريخيًا حقيقيًا: فبعض أثبت التواريخ في هذا الموقع مصدرها هذا السجل.

النقيشة التي تؤرّخ أقدم مبنى في المدينة

بُني الجامع الكبير سنة 490 للهجرة، الموافقة لسنة 1097 للميلاد، في عهد يوسف بن تاشفين. وليس هذا التاريخ تقديرًا مستخلصًا من البناء، ولا تخمينًا مبنيًا على الطراز، بل مصدره نقيشة على المنبر، منصة الخطبة.

وذلك أوضح برهان ممكن على أهمية هذه المادة. فنصّ محفور على قطعة من أثاث المسجد هو السبب في أن لأقدم مبنى في الجزائر تاريخًا ثابتًا أصلًا.

وتتتبّع صفحة المساجد ما يرويه هذا المبنى غير ذلك.

السقايات، وهي موقّعة

كان المحسنون يموّلون السقايات العمومية في الجزائر، وحملت كل واحدة منها لوحة من الرخام أو الحجر الأردوازي، بالعربية أو بالتركية العثمانية، تعدّد مناقب من دفع ثمنها. وهذا جنس كامل من الكتابة المدنية، موزّع على جدران أزقة المدينة، وهو أيضًا سجلّ لمن كان يملك المال ويريد أن يُعرف ذلك عنه.

وقد بقيت واحدة منها ونصّها مدوَّن. فالسقاية المعروفة باسم «كال أو فان» بناها الداي حسين سنة 1820. ويُفتتح نقشها بعبارة معناها كل شيء يحيا بالماء، ثم يعرض عزم الحاكم على جلب الماء الجاري بقدر كافٍ إلى كل مكان، ويُختم بدعوة القارئ إلى أن يشرب.

اقرأ ذلك بوصفه وثيقة لا زخرفة، يخبرك بثلاثة أمور دفعة واحدة: من كان مسؤولًا عن الماء، وكيف أراد حاكم أن يُذكر، وأن التزويد بالماء كان يُفهم عملَ برّ لا مرفقًا خدميًا. وتمضي صفحة الماء أبعد في الإدارة التي كانت وراءه.

الخط، ممارسةً حيّة

سُجّل الخط العربي سنة 2021 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو، في ملف ترشيح مشترك شاركت فيه الجزائر. وهو واحد من اثني عشر عنصرًا جزائريًا مسجّلًا لا غير، ومن القلائل بينها التي تتصل اتصالًا مباشرًا بما تحتضنه القصبة.

والصلة ملموسة. فدار مصطفى باشا، التي بُنيت بين 1798 و1800، وهي من القصور النادرة التي عبرت الاحتلال الفرنسي دون تعديل كبير، تحتضن منذ 2007 المتحف الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط. ويغطي المبنى نفسه 709 أمتار مربعة حول فناء مربّع طول ضلعه 9.5 أمتار.

ما هو مهدَّد، وليس ذلك مجازًا

النقائش المثبّتة في مبنى تشاركه مصيره. فحين ينهار بيت تنهار معه أطر أبوابه وزليجه وأيّ نص عليها، وهذا السجل غير منسوخ في أي مكان آخر.

وحجم هذا الانكشاف مبسوط كاملًا في صفحة القلعة: أحصى تعداد حديث 1,816 مبنى ما زالت قائمة، نحو أربعين في المئة منها متضرر تضررًا حرجًا أو صار خرابًا، و373 انهارت انهيارًا تامًا. وكل انهيار من هذه الانهيارات نقيشة ربما ضاعت، وخلافًا للمخطوط لا توجد منها نسخة ثانية في مكتبة أخرى.

وكان حظ السقايات أحسن قليلًا. فقد أُعيد بناء خمس سقايات عمومية في إطار إعادة تأهيل شارعين رئيسيين في القصبة.

ما لا تتناوله هذه الصفحة بعد

مجموعات المخطوطات غائبة عن هذه الصفحة. فالجزائر تحتفظ بمجموعات مهمة من المخطوطات العربية، والعلاقة بين هذه المقتنيات ومؤسسات التعليم في القصبة موضوع حقيقي لا تتناوله هذه الصفحة، لأنه لم يُحصَل على فهرس مؤسسي أو وصف علمي له حين كُتبت.

وغائب أيضًا: أرشيف إيالة الجزائر، وسجلات المحاكم والعقود التوثيقية التي من شأنها أن توثّق أوقاف الحبوس مبنًى مبنًى، وأيّ جرد منهجي للنقائش الباقية في الحي. وإن كان مثل هذا الجرد موجودًا، فهو أنفع ما يمكن لأحد أن يدلّ عليه هذا الموقع. يُرجى الكتابة إلى admin@casbah-alger.com.

لمحة سريعة

السجل المكتوب بالأرقام

كل رقم أدناه مأخوذ من المصادر المذكورة في أسفل هذه الصفحة.

  1. 1097يُؤرَّخ الجامع الكبير بسنة 490 للهجرة بفضل نقيشة على منبره.
  2. رخام أو حجر أردوازيمادّتا ألواح السقايات، المنقوشة بالعربية أو بالتركية العثمانية، والتي تذكر اسم الواهب.
  3. 1820الداي حسين يبني سقاية «كال أو فان». ونقشها باقٍ، ويبدأ بعبارة معناها: كل شيء يحيا بالماء.
  4. 2021اليونسكو تسجّل الخط العربي، في ملف ترشيح مشترك شاركت فيه الجزائر.
  5. 2007دار مصطفى باشا تصبح المتحف الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط.
  6. 709 م²المساحة الأرضية لهذا المبنى، حول فناء مربّع طول ضلعه 9.5 أمتار.
  7. 1,816مبنى قائمًا في القصبة بحسب تعداد حديث. نحو 40 في المئة منها متضرر تضررًا حرجًا أو خراب، و373 انهارت.
  8. 5سقايات عمومية أُعيد بناؤها خلال إعادة تأهيل شارعين رئيسيين في القصبة.

تابع القراءة

إلى أين يقود هذا

مسجد في القصبة السفلى بالجزائر

المساجد

المبنى الذي يأتي تاريخه من سطر محفور على منبره.

اقرأ

سقاية في أحد قصور قصبة الجزائر

الماء

السقايات ونقوشها والأوقاف التي كانت وراءها.

اقرأ

واجهة دار حسن باشا في الجزائر

الدور والقصور

ومنها القصر الذي يحتضن اليوم متحف فن الخط.

اقرأ

قصبة الجزائر

سجلّ مستقل للمدينة العتيقة في الجزائر: عمارتها وتاريخها وأهلها. يكتبه ويشرف عليه سي بشير سمير.

© 2026 casbah-alger.comكل رقم في هذه الصفحة يمكن تتبّعه إلى المصادر المذكورة أعلاه.