القصبة في الفن
قصبة الجزائر في الفن والسينما
يعرف الناس هذا الحي من فيلم صُوّر فيه سنة 1965 أكثر مما يعرفونه من أي شيء آخر كُتب عنه. وهذا أمر يستحق الفحص لا الاستياء.
طوال قرنين رسم القصبةَ أناسٌ من خارجها، والتقطوا لها الصور، ووضعوا لها المخططات، وصوّروها في الأفلام، وما أنتجوه ليس محايدًا. بعضه توثيقي وقيّم، وبعضه محض خيال. وحالة شهيرة واحدة على الأقل تجمع الإعجاب ومخطط الهدم معًا، باليد نفسها وفي الوقت نفسه.
لو كوربوزييه، الذي أحبّها ورسم إزالتها
جاء المعماري لو كوربوزييه إلى الجزائر في ثلاثينيات القرن العشرين، ووضع للمدينة سلسلة من المشاريع أشهرها مخطط أوبوس. ولم يكن شعوره تجاه الحي القديم عدائيًا، بل كان على العكس من ذلك تمامًا، وقد عبّر عنه بقوة تفوق ما عبّر به أيّ أوروبي من جيله تقريبًا.
لقد قلب التراتبية الاستعمارية كلها رأسًا على عقب. ففي المدينة الأوروبية الحديثة، كما كتب، يعيش المتحضّرون كالجرذان في الجحور، بينما يعيش الهمج في العزلة وفي رغد العيش. وأصرّ على أن للقصبة جمالًا خاصًا بها، وأن قيمتها التاريخية والجمالية حقيقية، وأنه لا يجوز أبدًا، لا، أبدًا، أن تُهدم.
ثم رسم ما أراد أن يبنيه. تعرض دراسة زينب تشيليك عن التخطيط الاستعماري للجزائر ما كانت تلك المشاريع ستفعله فعلًا: الإبقاء على القصبة العليا مع تطهير جزئها السفلي، واستبدال ما سمّاه الأحياء البائسة بالمتنزهات والحدائق، ومدّ منشآته هو كجسر فوق الحي. وكان ذلك الجسر سيؤمّن، بعبارة تشيليك، رقابة بصرية دائمة، وكان سيكتب في المدينة تراتبية اجتماعية بلغة البناء.
وتوثّق تشيليك كذلك الطريقة التي وصف بها المكان. كانت الجزائر عنده جسدًا بديعًا، ليّن الوركين، ممتلئ الصدر. وصارت القصبة، في رسومه الاختزالية، رأسًا محجّبًا. وتسري لغة الجسد نفسها في رسومه للنساء الجزائريات.
وهذه الحالة مفيدة لأنها ليست بسيطة تحديدًا. فقد يعني المرء المديح حقًا، ثم يضع مع ذلك مخططًا كان سيمدّ جسرًا لطريق سريع فوق مدينة غيره، ويسمّي ذلك احترامًا.
الفيلم، ولماذا يطغى على كل شيء
صدر فيلم «معركة الجزائر» لجيلو بونتيكورفو سنة 1966، من إنتاج إيغور فيلم وقصبة فيلم، وكان ياسف سعدي بين منتجيه. صُوّر في مواقعه الحقيقية، في أسواق القصبة وأزقتها الضيقة نفسها، بالأبيض والأسود، بكاميرات محمولة باليد، وبممثلين غير محترفين يقارب عددهم مئة وخمسين. وقد أنتج ياسف سعدي الفيلمَ، وهو الذي كان قد قاد شبكة جبهة التحرير الوطني في الحي وأُلقي عليه القبض سنة 1957، وأدّى فيه دور شخصية هي نسخة منه لا يكاد يسترها الخيال.
ومن الاعتقادات التي تلازم الفيلم أنه يتضمن لقطات من الجرائد السينمائية الإخبارية. وهذا غير صحيح. فموسوعة بريتانيكا تسجّل أن كل لقطة فيه صوّرها بونتيكورفو. نال الأسد الذهبي في البندقية سنة 1966، ورُشّح لثلاث من جوائز الأوسكار، ولم يُعرض في فرنسا حتى 1971. ويُدرجه معهد الفيلم البريطاني بوصفه أول إنتاج للجزائر المستقلة.
ومنذ ذلك الحين درسته الجيوش والتنظيمات الثورية بالاهتمام نفسه، وهي حياة ثانية غير مألوفة لأي فيلم. أما ما يعني هذا الموقع فأضيق من ذلك: الصورة البصرية التي يحملها معظم العالم عن هذه الأزقة صنعها طاقم تصوير عمل فيها بضعة أشهر في منتصف ستينيات القرن العشرين، والأحداث التي يجسّدها تُتناول هنا على حدة، انطلاقًا من الوثائق لا من الفيلم.
السجل الفوتوغرافي، ولمن صُنع
للقصبة سجل فوتوغرافي كبير يعود إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، ويوجد جزء كبير منه في مجموعات مؤسسات خارج الجزائر. فمكتبات هيسبرغ في جامعة نوتردام تحتفظ بسلسلة تُسمّى «شرائح الفانوس السحري المعمارية للجزائر» (Architectural Lantern Slides of Algeria)، صوّرتها نحو سنة 1910 شركة ج. ماسيو وشركاه (G. Massiot et cie)، ومن بينها دار حسن باشا.
وشرائح الفانوس السحري تستحق لحظة تأمل. فقد صُنعت لتُعرض على جمهور. ولذلك فمجموعة كهذه ليست مجرد سجل لما كانت عليه المباني، بل هي سجل لما كان يُعرض على جمهور المحاضرات الأوروبي، ولما كان يُعلَّم أن يراه. فالتأطير واختيار الموضوع والتعليقات كلها جزء من الأدلة.
والحذر نفسه ينطبق على الصور المستعملة في صفحة معرض الصور في هذا الموقع، ولهذا تصف التعليقات هناك ولا تجزم، ولهذا تدعو الصفحة إلى التصحيح.
ما لا تغطيه هذه الصفحة بعد
رسّامو الاستشراق في القرن التاسع عشر غائبون عن هذه الصفحة، وما كان ينبغي أن يغيبوا. فأعمال دولاكروا الجزائرية، وفي مقدمتها «نساء الجزائر في شقتهن»، هي أكثر صورة مرتبطة بهذه المدينة استنساخًا على الإطلاق، والدراسات حول ما رآه فعلًا سنة 1832 وما اخترعه واسعة. وقد عمل رونوار في الجزائر أيضًا، وكذلك قائمة طويلة من غيره.
وهم ليسوا هنا بعد لأن قاعدة هذا الموقع أن يستشهد بالسجل الخاص للمتحف الذي يحتفظ بأي عمل فني يتناوله، ولم يتسنّ الحصول على تلك السجلات حين كُتبت هذه الصفحة. وستُضاف حين يصبح ذلك ممكنًا.
وغائب أيضًا: موسيقى الشعبي في السينما، والروائيون الجزائريون المرتبطون بالحي، والأرشيفات الفوتوغرافية المحفوظة في الجزائر نفسها. إن كان بوسعك أن ترشد إلى شيء من ذلك بمرجع سليم، فاكتب من فضلك إلى admin@casbah-alger.com.
لمحة سريعة
تواريخ ومعطيات
كل رقم أدناه مأخوذ من المصادر المذكورة في أسفل هذه الصفحة.
- ثلاثينيات القرن العشرينلو كوربوزييه يزور الجزائر ويضع سلسلة من المخططات للمدينة، منها مخطط أوبوس.
- نحو 1910شركة ج. ماسيو وشركاه تصوّر العمارة الجزائرية لشرائح الفانوس السحري، وهي سلسلة تحتفظ بها اليوم جامعة نوتردام.
- 1966صدور فيلم «معركة الجزائر» لبونتيكورفو، الذي صُوّر في مواقعه الحقيقية بالقصبة بنحو 150 ممثلًا غير محترف.
- الأسد الذهبيناله في مهرجان البندقية السينمائي سنة 1966. ورُشّح الفيلم أيضًا لثلاث من جوائز الأوسكار.
- 1971السنة التي عُرض فيها الفيلم في فرنسا أول مرة.
- لا لقطات إخباريةتسجّل بريتانيكا أن كل لقطة في الفيلم صوّرها بونتيكورفو، خلافًا لاعتقاد شائع يتكرر.
- لا تُهدم أبدًاإصرار لو كوربوزييه بشأن القصبة، في السنوات نفسها التي وضع فيها مخططات كانت ستمدّ فوقها جسرًا.
تابع القراءة
إلى أين يقود هذا
المصادر
من أين جاءت هذه المعلومات
- Zeynep Çelik, Urban Forms and Colonial Confrontations: Algiers Under French Rule, University of California Press, 1997, full text
- Encyclopaedia Britannica, The Battle of Algiers (film)
- BFI, The Battle of Algiers (1966)
- Peter Matthews, The Battle of Algiers: Bombs and Boomerangs, The Criterion Collection
- Ron Briley, Terrorism on Screen: Lessons from The Battle of Algiers, Perspectives on History, American Historical Association, 2010
- Architectural Lantern Slides of Algeria, Hesburgh Libraries, University of Notre Dame
- UNESCO World Heritage Centre, Kasbah of Algiers
قصبة الجزائر
سجلّ مستقل للمدينة العتيقة في الجزائر: عمارتها وتاريخها وأهلها. يكتبه ويشرف عليه سي بشير سمير.
المدينة العتيقة
© 2026 casbah-alger.comكل رقم في هذه الصفحة يمكن تتبّعه إلى المصادر المذكورة أعلاه.


