الثقافة

الثقافة في قصبة الجزائر

ليست فئة من فئات المتاحف. كانت الثقافة في هذا الحي مجموعة من المؤسسات القائمة على الأوقاف، لها مبانٍ ومداخيل وعاملون، ومعظمها زال.

من السهل أن يُكتب عن ثقافة حيّ قديم كأنها جوّ عام. أما في القصبة فكانت بنية تحتية. فالمساجد والمدارس والحمامات والسقايات والأضرحة كانت مؤسسات وقفية تقف خلفها أملاك، وما جرى لثقافة القصبة هو في معظمه ما جرى لتلك الأوقاف.

ما كان الحي يضمّه فعلًا

الأرقام أسرع طريق لرؤية ذلك. حيّ كان فيه ذات يوم مئة وثلاثون مسجدًا وثماني عشرة زاوية، فيه اليوم عشرة مساجد وزاويتان. ومن نحو مئة حمام بقيت ستة. ولم تكن هذه مرافق بالمعنى الحديث. فالزاوية مؤسسة دينية وتعليمية، والحمام موعد اجتماعي يومي ثابت، والسقاية وقف خيري تقف خلفه إدارة.

وكانت الآلية التي موّلتها هي الحبوس، أي وقف دائم لأملاك يُخصَّص ريعها لصيانة مبنى بعينه. وتتتبّع صفحة المساجد هذه الآلية حتى عواقبها، وتُظهر صفحة الماء النظام نفسه وهو يدير السقايات تحت إشراف موظف يُسمّى كاتب السقايات.

بعبارة أخرى، كانت للثقافة ميزانية. وحين ذهبت الميزانية، ذهب معها معظم ما كان يقوم عليها من ثقافة.

حقيقة عن قوائم اليونسكو تستحق أن تُقال بوضوح

للجزائر اثنا عشر عنصرًا مسجّلًا على قوائم اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، ولا يكاد أيّ منها يأتي من مدينة الجزائر.

فالراي، المسجّل سنة 2022، هو الأغنية الشعبية لغرب البلاد. وأهليل قورارة، المسجّل سنة 2008، من الجنوب الصحراوي. وطقوس السبيبة من واحة جانت، وتقليد زيّ العرس من تلمسان، وزيارة السبوع من زاوية سيدي الحاج بلقاسم، وكيّالو الماء في الفقارات من أنظمة الري الصحراوية. وسُجّل الكسكس سنة 2020 في ملف مشترك مع عدة بلدان، والخط العربي سنة 2021 مع بلدان أكثر بكثير.

أما تقاليد القصبة الحية نفسها فليست على تلك القائمة. ومن الخطأ تحميل ذلك أكثر مما يحتمل: فالتسجيل يتوقف على أن تختار دولة ترشيح العنصر، وعلى أن تكون جماعة منظمة لدعم الملف، والغياب عن قائمة ليس غيابًا عن العالم. لكنها فجوة حقيقية، ومعناها أنه لا يوجد للثقافة غير المادية لهذا الحي وصف مؤسسي من النوع الذي يفضّل هذا الموقع الاستشهاد به.

وهذا ما يحدد شكل الصفحات أدناه. فحيث يكون السجل ضئيلًا، تقول ذلك.

المحاور الأربعة

التراث الشفوي: كيف كانت الأشياء تُقال وتُغنّى وتُحفظ في الذاكرة هنا، وكيف شكّل عمران الحي ذلك.

التراث المكتوب: السجل المكتوب للقصبة، وكثير منه ليس في مكتبة أصلًا، بل مثبت على المباني.

المؤسسات الثقافية: المتاحف والهيئات العاملة في الحي اليوم، وكلها تقريبًا تشغل مباني كانت في الأصل بيوتًا.

المدارس والأضرحة: مجمّعات التعليم والأضرحة، وفي مقدمتها مجمّع سيدي عبد الرحمن، الوليّ الحامي لمدينة الجزائر.

لماذا زال كل هذا القدر منها

حدثت ثلاثة أمور متتالية. هُدمت المدينة السفلى على مراحل بعد 1830، فذهبت معها مؤسسات بأكملها. وتفكّكت الأوقاف التي كانت تدفع نفقات الصيانة، ففقدت المباني الناجية مداخيلها. وتغيّر السكان: فقد بلغت الكثافة في القصبة العليا ثلاثة آلاف وخمسمئة نسمة في الهكتار بحلول أواخر أربعينيات القرن العشرين، وقُسّمت البيوت ذات الفناء التي بُنيت لأسرة واحدة بين عدة أسر، وليست هذه حالًا تبقى فيها المؤسسات على استمراريتها.

والنتيجة أن للقصبة اليوم تراثًا مبنيًا استثنائيًا، وتراثًا غير مادي ضعيف التوثيق. وهذا التفاوت هو العنوان الصادق، ولا يصلحه أي قدر من الكتابة التي تكتفي برسم الأجواء.

لمحة سريعة

ما هو مسجّل، وما ليس كذلك

تسجيلات الجزائر الاثنا عشر على قوائم اليونسكو للتراث غير المادي، مع سنة كل منها. والسطر الأخير هو المقصود من هذا الجدول.

  1. 130 إلى 10المساجد، بين الأمس واليوم.
  2. 18 إلى 2الزوايا، بين الأمس واليوم.
  3. نحو 100 إلى 6الحمامات، بين الأمس واليوم، بحسب بوساعة. أما شريف سفاج، استنادًا إلى الأرشيف العثماني، فتُحصي 40 حمامًا موثقًا و31 قائمًا سنة 1830.
  4. 2008اليونسكو تسجّل أهليل قورارة. ليس من مدينة الجزائر.
  5. 2012تسجيل تقليد زيّ العرس في تلمسان.
  6. 2013تسجيل الزيارة السنوية إلى ضريح سيدي عبد القادر بن محمد.
  7. 2014تسجيل طقوس السبيبة واحتفالاتها في واحة جانت.
  8. 2015تسجيل السبوع، الزيارة السنوية إلى زاوية سيدي الحاج بلقاسم.
  9. 2018معارف كيّالي الماء في الفقارات ومهاراتهم، على قائمة التراث الذي يحتاج إلى صون عاجل.
  10. 2020تسجيل الكسكس، في ملف مشترك.
  11. 2021تسجيل الخط العربي، في ملف مشترك.
  12. 2022تسجيل الراي، الأغنية الشعبية الجزائرية. من غرب البلاد.
  13. 2023تسجيل الفنون والمهارات والممارسات المرتبطة بالنقش على المعادن.
  14. 2024تسجيل طقوس الحناء، والزي النسوي الاحتفالي في المنطقة الشرقية.
  15. 0عناصر على تلك القائمة نشأت تحديدًا في قصبة الجزائر.

تابع القراءة

إلى أين يقود هذا

مسجد في القصبة السفلى بالجزائر

المساجد

المباني التي دفعت الأوقاف نفقاتها، والآلية التي أطاحت بها.

اقرأ

سقاية في قصر من قصور قصبة الجزائر

الماء

السقايات، وأوقافها، والكاتب الذي كان يدير شؤونها.

اقرأ

فناء دار حسن باشا ورواقها في الجزائر

المؤسسات الثقافية

متاحف القصبة، وكلها تقريبًا في مبانٍ كانت بيوتًا.

اقرأ

قصبة الجزائر

سجلّ مستقل للمدينة العتيقة في الجزائر: عمارتها وتاريخها وأهلها. يكتبه ويشرف عليه سي بشير سمير.

© 2026 casbah-alger.comكل رقم في هذه الصفحة يمكن تتبّعه إلى المصادر المذكورة أعلاه.