التاريخ
كيف تشكّلت القصبة
ستة وعشرون قرنًا من السكن على سفح تلّ واحد شديد الانحدار فوق خليج الجزائر، من مرسى فينيقي إلى موقع تراث عالمي ما زال نحو خمسين ألف شخص يسمّونه بيتهم.
ليست القصبة معلمًا أثريًا، بل حيّ مأهول بلا انقطاع منذ ما قبل روما، أعادت بناءه كل قوة حكمت الخليج، وألحقت به معظمها الأذى. هذه قصة كيف صارت على ما هي عليه.
قبل أن تكون هناك قصبة
الخليج مأهول منذ زمن بعيد جدًا. تسجّل اليونسكو سكن الموقع منذ القرن السادس قبل الميلاد على الأقل، حين أقام تجار فينيقيون مركزًا تجاريًا هنا. ثم جاء الرومان وسمّوا المكان إيكوسيوم، وهو اسم ما زالت موسوعة بريتانيكا تذكره بين الأسماء البديلة للمدينة الحديثة.
لم يبقَ من هؤلاء وأولئك فوق الأرض داخل المدينة العتيقة شيء يُذكر تقريبًا. ما تركوه هو السبب الذي جعل أي أحد يستقر هنا أصلًا: مرسى محميّ يقوم خلفه تلّ شديد الانحدار، يسهل الدفاع عنه ويستحيل الاقتراب منه دون أن يُرى.
القرن العاشر، وكلمة غيّرت معناها
أسّس الأمازيغ في عهد الدولة الزيرية، في القرن العاشر، المدينة التي صارت الجزائر، بحسب مديرية السياحة والصناعة التقليدية لولاية الجزائر. بُنيت حيث يلتقي التل بالماء، واحتفظت بهذا الشكل منذ ذلك الحين.
أما كلمة القصبة فقد تبدّل معناها مع الزمن. في العهد الزيري كانت تدل على أعلى نقطة في المدينة فقط، أي القلعة في القمة. واليوم، كما تقول اليونسكو، يشمل المصطلح المدينة القديمة كلها داخل الأسوار. فحين يقول الناس القصبة الآن، يقصدون سفح التل بأكمله، لا الحصن الذي كانت الكلمة له وحده.

الجزائر في مجسّم يصوّرها كما كانت سنة 1830، ومدينتها العتيقة ما زالت كاملة بين القلعة والبحر.
الجزائر العثمانية، وقرن السقايات
في القرن السادس عشر انتقلت الجزائر إلى الدولة العثمانية، منهيةً سلسلة من الدول العربية والأمازيغية تؤرّخ بريتانيكا بدايتها بالقرن الثامن. وفي أواخر القرن السادس عشر شُيّدت الأسوار التي ما زالت ترسم حدود المنطقة التي تحميها اليونسكو، واتخذت المدينة العتيقة شكلها الحالي: مدينة سفلى من المساجد والقصور، ومدينة عليا من الأزقة الملتوية المطلية بالأبيض، المخصصة للمشاة وحدهم.
وأوضح مقياس لحال المدينة ليس عدد سكانها، بل سقاياتها. لم يكن للجزائر نهر. كل ما شربته كان ينحدر عبر القنوات من التلال خلفها، ويُوزَّع من سقايات عمومية مثبتة في جدران الأزقة. كان عددها سبعًا في القرن السادس عشر، وبلغ مئة وخمسًا وعشرين سنة 1674.
بنى الدايات معظمها في القرن الثامن عشر. وكان موظف يُعرف بـخوجة العيون، أي كاتب السقايات، يدير جهازًا تموّله أوقاف الحبوس لا غاية له سوى إبقاء مائها جاريًا، وحملت كل سقاية لوحة من الرخام أو الحجر الأردوازي، بالعربية أو بالتركية العثمانية، تذكر اسم من موّلها. وفي تسعينيات القرن الثامن عشر وسّع الداي حسن باشا جامع كتشاوة ليصبح المسجد الرئيسي في القصبة السفلى، وتذكر المصادر عامي 1792 و1794.
1830: مروحة وستمئة سفينة
في 30 أفريل 1827، وفي خلاف بدأ حول دَين، ضرب الداي حسين بن حسن القنصل الفرنسي بيير دوفال بمروحته، وهي الواقعة المعروفة بحادثة المروحة. واختارت فرنسا أن تعدّها إهانة تستوجب الرد، فبدأ حصار الجزائر في 11 جوان من العام نفسه بقيادة اللواء البحري جوزيف كوليه.
وبعد ثلاث سنوات جاء الرد كاملًا. أبحر أسطول من ستمئة سفينة من طولون في 11 ماي 1830. وفي 14 جوان أنزل الجنرال دو بورمون أربعة وثلاثين ألف جندي في شبه جزيرة سيدي فرج. وبدأ قصف المدينة في 4 جويلية، وفي 5 جويلية استسلمت الجزائر ومضى الداي حسين إلى المنفى.
وما جرى داخل المدينة العتيقة بعد ذلك مباشرة مدوَّن دون مواربة: نهب الجنود الفرنسيون المدينة المسلمة، ودنّسوا كثيرًا من أماكنها المقدسة ومقابرها.
مئة واثنتان وثلاثون سنة
في 1832 استولى الفرنسيون على جامع كتشاوة للعبادة المسيحية، وفي 1845 كُرِّس كاتدرائية باسم القديس فيليب، وظلّ كنيسة نحو مئة وثلاثين سنة. وبحلول 1847 كانت القوات الفرنسية قد أخمدت المقاومة الجزائرية إلى حد بعيد، وفي 1848 جُعلت الجزائر رسميًا مقاطعة فرنسية.
وتحمّلت القصبة السفلى النصيب الأكبر. خُطّطت مدينة استعمارية جديدة بجوار القديمة وفوق جزء منها، وتحوّلت المدينة العتيقة، التي كانت مقرّ الحكم ثلاثة قرون، إلى مجرد حيّ، وخرجت منها السلطة والتجارة. أما المدينة العليا، الشديدة الانحدار والأضيق من أن تتسع لشيء من ذلك، فتُركت على حالها تقريبًا، ولهذا ما زال مخطط أزقتها الموروث من العصر الوسيط قائمًا يمكن السير فيه.

القلعة كما مُسحت سنة 1830. رسم المخطط من كانوا قد استولوا عليها للتو.
من 1954 إلى 1962
خلال الثورة التحريرية صارت القصبة معقلًا لجبهة التحرير الوطني، وكان شكلها العمراني هو السبب. أزقة أضيق من أن تمر فيها مركبة، وأبواب تنفتح على جدران صمّاء، وأسطح تتدرج نزولًا مع المنحدر في تتابع يكاد لا ينقطع، جعلت الحيّ قابلًا للدفاع على نحو لا تقدر عليه أي مدينة مخططة. ومرّت معارك 1957 عبره بيتًا بيتًا.
لتلك المرحلة صفحتها الخاصة، لأنها تستحق أكثر من فقرة: القصبة خلال الثورة التحريرية.
بعد الاستقلال
جاء الاستقلال سنة 1962، وأُقيمت في جامع كتشاوة أول صلاة جمعة منذ أكثر من قرن. لكن القصبة لم تعد مركز المدينة. كانت مؤسسات الدولة الجديدة في المدينة الحديثة، وبقيت المدينة العتيقة على الحال التي تركتها عليها الحقبة الاستعمارية: حيًّا سكنيًا مكتظًا ذا تاريخ استثنائي، دون دور محدد في جهاز العاصمة.
وجاء الاعتراف ببطء. صُنّفت القصبة موقعًا تاريخيًا وطنيًا سنة 1991، وسُجّلت على قائمة التراث العالمي لليونسكو سنة 1992 وفق المعيارين الثاني والخامس، على مساحة 54.7 هكتارًا. وفي 2003 صُنّفت قطاعًا محفوظًا. ويعيش نحو خمسين ألف شخص داخل المنطقة المسجّلة.
حالها اليوم
جرت محاولات الترميم على أجزاء متفرقة. ففي 1986 أعاد صندوق الآغا خان للثقافة بناء بيت بفناء من ثلاثة طوابق، كان خرابًا، على شكله الأصلي، وكان أول ثمانية وخمسين مبنى في برنامج كان يُفترض أن يبلغ ألفًا وسبعمئة مسكن.
وقد عُرض حجم ما لا يزال متدهورًا بوضوح سنة 2021: أكثر من ثلث المباني انهار أو صار غير آمن، ونحو ثلاثمئة مبنى دُمّر، وأربعمئة وخمسون هُجرت وسُدّت أبوابها، ومئتان في حالة تدهور متقدم، ولم يُرمَّم سوى خمسين. وكانت مئتان وخمسون دارًا ما زالت تسكنها الأسر المالكة لها. وخصّصت الحكومة الجزائرية اثني عشر مليون يورو للشروع في خطة إنقاذ.
وهناك تقدم حقيقي أيضًا، فقد أُعيد فتح جامع كتشاوة في 9 أفريل 2018 بعد أربع سنوات من الترميم موّلتها الدولة التركية بموجب بروتوكول وُقّع في سبتمبر 2013.
وتذكر اليونسكو الأخطار الدائمة التي تهدد الموقع: الزلازل والحرائق والانزلاقات الأرضية والفيضانات. ويضيف إليها كل من مشى في الأزقة العليا خطرًا أبسط: البيت الذي لا يقدر أحد على ترميمه ينهار في النهاية، وينهار معه الزقاق الذي كان يسنده.
لمحة سريعة
تواريخ أساسية
كل تاريخ أدناه مأخوذ من المصادر المذكورة في أسفل هذه الصفحة.
- القرن 6 ق.ميُقام مركز تجاري فينيقي على الخليج.
- القرن 10الأمازيغ في عهد الدولة الزيرية يؤسسون المدينة التي ستصير الجزائر.
- القرن 16تنتقل الجزائر إلى العثمانيين، وتُغلق الأسوار على المدينة العتيقة.
- 1674تُحصى في المدينة مئة وخمس وعشرون سقاية عمومية.
- 1792الداي حسن باشا يوسّع جامع كتشاوة ليصبح الجامع الكبير للمدينة السفلى. وتذكر المصادر عامي 1792 و1794.
- 30 أفريل 1827الداي حسين يضرب القنصل الفرنسي بمروحته.
- 5 جويلية 1830الجزائر تستسلم، والداي يمضي إلى المنفى.
- 1832الفرنسيون يستولون على جامع كتشاوة للعبادة المسيحية. يُكرَّس كاتدرائية القديس فيليب سنة 1845 ويبقى كنيسة نحو 130 سنة.
- 1848جعل الجزائر مقاطعة فرنسية.
- 1957معركة الجزائر تمرّ عبر القصبة بيتًا بيتًا.
- 1962الاستقلال، وعودة أول صلاة جمعة منذ أكثر من قرن إلى جامع كتشاوة.
- 1986صندوق الآغا خان للثقافة يعيد بناء أول بيت من ثمانية وخمسين.
- 1991تصنيف القصبة موقعًا تاريخيًا وطنيًا.
- 1992اليونسكو تسجّل القصبة وفق المعيارين الثاني والخامس.
- 2003تصنيف القصبة قطاعًا محفوظًا.
- 2018إعادة فتح جامع كتشاوة في 9 أفريل بعد أربع سنوات من الترميم.
تابع القراءة
إلى أين يقود هذا
المصادر
من أين جاءت هذه المعلومات
- مركز التراث العالمي لليونسكو، قصبة الجزائر
- UNESCO World Heritage Centre, Kasbah of Algiers
- Direction of Tourism and Handicrafts, Algiers
- ICESCO Islamic World Heritage Portal, Kasbah of Algiers
- Discover Islamic Art, Museum With No Frontiers, public fountains of Algiers
- TİKA, restoration and reopening of the Ketchaoua Mosque
- Archnet, Casbah House Restoration, Aga Khan Trust for Culture
- EBSCO Research Starters, France Conquers Algeria
- Britannica, Algeria
- Med-Or, the restoration project of the Casbah of Algiers
قصبة الجزائر
سجلّ مستقل للمدينة العتيقة في الجزائر: عمارتها وتاريخها وأهلها. يكتبه ويشرف عليه سي بشير سمير.
المدينة العتيقة
© 2026 casbah-alger.comكل رقم في هذه الصفحة يمكن تتبّعه إلى المصادر المذكورة أعلاه.


