العمارة
عمارة قصبة الجزائر
كيف بُني ألف بيت من التراب والجير والحجر والخشب على سفح لا أرض مستوية فيه، وكيف جُعل بعضها يسند بعضًا.
كثيرًا ما توصف القصبة بأنها متاهة، والأقرب إلى الحقيقة هو العكس. تكاد كل سمة فيها تكون جوابًا عن مشكلة: تلّ أشدّ انحدارًا من أن يُبنى عليه بناء مستوٍ، ومناخ يعاقب الجدار الخاطئ، وطريقة عيش تُبقي حياة الأسرة بعيدة عن أنظار الزقاق، وأرض تهتز. وإذا قرأتها بوصفها مجموعة من الأجوبة، زال الغموض عن مخططها.
مثلث قائم على منحدر
المدينة العتيقة مثلث ينحدر نحو الماء، وهي شديدة الانحدار على امتدادها كله. ترتفع القمة نحو مئة وثمانية عشر مترًا فوق سطح البحر. وقد سجّلت اليونسكو 54.7 هكتارًا منها سنة 1992 وفق المعيارين الثاني والخامس، بوصفها نمطًا فريدًا من المدن العتيقة ومثالًا بارزًا على مستوطنة بشرية تقليدية.
ولأن الأرض تنحدر دون انقطاع، لا يحجب بيتٌ البيتَ الذي خلفه. ويصف مركز الآغا خان للتوثيق النتيجة بأنها كتل متشابكة من البيوت البيضاء الهندسية، تتجه أسطحها نحو الخليج. كل مسكن ينال نصيبه من البحر، وينالُه من السطح لا من النافذة.
وتتبع الأزقة المنطق نفسه. فهي ملتوية ومتشابكة، بعضها لا يزيد عرضه على عرض دهليز، وبعضها مقبّب كالأقبية. ومع الصعود نحو القصبة العليا تضيق أكثر وتتحول إلى أدراج، لأن الدرج هو الطريقة الصادقة الوحيدة لاجتياز ذلك الانحدار. وحيث تعبر غرفة علوية فوق زقاق، يمرّ الزقاق ببساطة عبر المبنى، تحت ممر مسقوف يُسمّى الساباط.
أما الجزء المستوي من المدينة فلم يصمد. هُدمت القصبة السفلى على مراحل بين 1832 و1913 تقريبًا لإفساح المجال لمدينة الميناء الاستعمارية. وما بقي قائمًا هو ما كان أشدّ انحدارًا من أن تستحق إزالته العناء، ولهذا ما زال مخطط الأزقة الموروث من العصر الوسيط قائمًا يمكن السير فيه.

حين يتجاوز الانحدار حدًّا معيّنًا، يكفّ الزقاق عن أن يكون زقاقًا ويصير درجًا. والقصبة العليا تكاد تكون كلها أدراجًا.
البيت الذي ينغلق على داخله
المسكن النموذجي بناء متراصّ شديد الانغلاق على نفسه، من ثلاثة طوابق تقريبًا. ولا يكشف من جهة الزقاق عن شيء يُذكر: جدار أصمّ مكسوّ بالملاط، وباب واحد، وقليل جدًا غير ذلك. كل ما يملكه البيت يقع خلف ذلك الجدار.
وخلف الباب مباشرة السقيفة، وهي غرفة يُستقبل فيها الزوار من الرجال تحديدًا كي لا يتقدموا أبعد منها. إنها مصفاة لا ممرّ. وبعدها ينفتح البيت على وسط الدار، الفناء الذي هو المصدر الرئيسي للضوء والهواء النقي لكل الغرف المحيطة به. وتدور الأروقة في كل طابق حول الفناء وتحمل حركة التنقل، فتجري الحياة المنزلية للأسرة في الهواء الطلق دون أن تُرى من الخارج أبدًا.
هذا التتابع مقصود، وهو أفضل ما في المبنى. تدخل من زقاق ساطع قاسٍ ضيق إلى غرفة مظلمة منخفضة، ثم تخرج منها ثانية إلى عمود شاهق من الضوء في قاعه ماء. هذا التباين هو العمارة نفسها. والباحثون الذين درسوا تجربة التنقل في هذه البيوت يصفونها بهذه العبارات تمامًا: تناوب بين الانفتاح والانغلاق، والضوء والظل، والمنخفض والمرتفع.
وتأتي الأبعاد من الجسد لا من لوحة الرسم. فالبيت من هذا النوع يُخطَّط على مقدار الخطوة وارتفاع الكتف، ولهذا تبدو الغرف صحيحة دون أن تكون منتظمة، ولهذا لا تتطابق اثنتان منها في المساحة تمامًا.

وسط الدار، أي منتصف البيت. هنا يصل الضوء والهواء والماء أولًا، ومنه تبلغ كل غرفة.
السطح مدينة أخرى
ليست السقوف هنا سقوفًا، بل أسطح مستوية، في مستوى يقارب مستوى جاراتها، ومتصلة بعضها ببعض. ويسجّل مركز الآغا خان للتوثيق أن السكان كانوا ينتقلون عبرها من بيت إلى بيت متجاوزين الزقاق كليًا.
وكان لذلك أثره الاجتماعي قبل أن يكون له أثر عسكري. كان الزقاق فضاءً عامًا وذكوريًا في واقع الأمر؛ وكان البيت والسطح فضاءين خاصين وأنثويين في واقع الأمر، ومنحت شبكة الأسطح النساء طابقًا علويًا كاملًا من المدينة يتنقلن عبره ويتحادثن دون أن يظهرن في مستوى الزقاق أبدًا. ولكل سطح، ولا سيما الأسطح القريبة من القمة، إطلالة على المدينة كلها وعلى البحر.
ويستحق الأمر أن نتأمل ما يعنيه من الناحية البنيوية. للقصبة نظاما حركة متراكبان أحدهما فوق الآخر: واحد في الأسفل للغرباء والتجارة، وآخر في الأعلى للأسر. وقليلة جدًا هي المدن التي عرفت ذلك في أي مكان، ومعظم ما عرفه منها فقده. وإن أردت عواقب ذلك، فهي في صفحة التاريخ.

أسطح تتدرج نزولًا نحو الخليج. قبل أن يهتم أحد غير السكان بمخطط الأزقة، كانت هذه هي الطريق التي يسلكونها فعلًا.
التراب والجير والحجر والخشب
تعدّد اليونسكو مواد القصبة ببساطة: طوب من التراب، وملاط من التراب والجير، وحجر، وخشب. لا شيء غريب في هذه القائمة. جاء كل ذلك من مسافة لا تتجاوز بضعة كيلومترات، والبراعة في طريقة استعماله لا في ماهيته.
ويبيّن بحث نُشر سنة 2026 هذه الفكرة بدقة. فقد حدّد فريق درس أحجار البناء الجيرية في القصبة ثلاثة أحجار مختلفة، كلها من مكاشف تعود إلى البليوسين الأعلى تحيط بالمدينة، ووجد أن كلًّا منها خُصّص لعمل بعينه: حجر جيري رودالغالي متماسك للعناصر المعمارية الدقيقة، وحجر جيري رملي ألين للبناء العادي، وكالكارينيت بنيّ فاتح في أعمال الترميم اللاحقة. لم يكن البنّاؤون يأخذون ببساطة ما يخرج من أقرب مقلع. كانوا يختارون.
ويُكسى ذلك كله بالجير. فالطلاء الجيري هو ما يمنح القصبة المظهر الذي أكسب الجزائر اسم المدينة البيضاء، وليس دوره تجميليًا فحسب: فطبقة الجير تصرف الماء، وتترك الجدار الذي تحتها يتنفس، وهي رخيصة بما يكفي لتجديدها.
والعامل الآخر الذي يشكّل هذه الجدران هو الأرض نفسها. تقع الجزائر في منطقة زلزالية نشطة، وبعد زلزال 1716 فرضت السلطات شروطًا مقاومة للزلازل على إعادة بناء المدينة، شملت تخطيط الأزقة وبناء كل بيت على حدة. وتُدرس هذه الواقعة اليوم بوصفها مثالًا مبكرًا ومقصودًا على قواعد البناء المقاوم للزلازل، وُضعت قبل ثلاثة قرون من القوانين التي نعدّها اليوم من المسلّمات.
الأقواس والأعمدة وموضع الزخرفة
قوس الجزائر حدوة فرس مدبّبة: يمتد الانحناء متجاوزًا خط المنتصف ثم يرتفع لينتهي برأس مدبّب. وحين يُصفّ في رواق، أربعة في كل جانب، يُحدث الإيقاع الذي يُعرف فورًا بأنه لهذه المدينة لا لفاس أو تونس أو القاهرة.
والأعمدة التي تحت هذه الأقواس كثيرًا ما تكون ملتوية، أبدانها مفتولة كالحبال، وتحمل تيجانًا مركّبة. وفي دار مصطفى باشا زُيّنت التيجان بأهلّة. وتُفرش الأرضيات ببلاطات رخامية سداسية. أما الجزء السفلي من الجدار، ذلك الذي يتكئ عليه المرء أو يلمسه الطفل، فمكسوّ بالزليج المزجّج، وتُكسى الكوّات بما يماثله.
تلك هي القاعدة التي يتبعها الحيّ كله. توضع الزخرفة حيث يلتقي الجسد بالمبنى، أي في مستوى العين وما دونه: على جدار الفناء، وعلى الدرج، وعلى مصراع الباب، وحول الفتحات. أما الواجهة المطلة على الزقاق فلا تنال منها شيئًا. واضطر مرمّم عمل في قصر الرياس في تسعينيات القرن العشرين إلى إعادة صنع كسوة من الخزف المزجّج، وخشب منحوت، وشبابيك من الحديد المطروق، ورخام، وكوابيل، ليعيد واجهة إلى حالها، وكل عنصر من هذه العناصر ينتمي إلى داخل المبنى لا إلى خارجه.

زليج وخشب منحوت وحديد، في مستوى قامة إنسان واقف. أما الوجه الخارجي للجدار نفسه فلا يحمل شيئًا على الإطلاق.
القصور هي البيت نفسه، لكنها أكبر
لا قواعد مستقلة للمباني الفخمة. فالقصر في الجزائر دار، أي بيت، ويُبنى كما يُبنى البيت المتواضع، مع إنفاق مال أكثر على كل متر مربع.
دار مصطفى باشا، التي بُنيت بين 1798 و1800 للداي الذي يحمل هذا الاسم، هي أوضح مثال باقٍ، وأحد القصور النادرة التي اجتازت الاحتلال الفرنسي دون تعديل كبير. تؤدي ثلاثة دهاليز مقبّبة إلى فناء مركزي مربّع طول ضلعه 9.5 أمتار، تتوسطه سقاية مثمّنة. ويحيط به من جوانبه الأربعة طابقان من الأروقة، في كل جانب أربعة أقواس مدبّبة على شكل حدوة فرس. ويغطي المبنى كله 709 أمتار مربعة، ويحتضن منذ 2007 المتحف الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط.
قارنه بالبيت العادي تجد الأجزاء متطابقة: مدخل يلتفّ قبل أن يبلغ غايته، وفناء في الوسط، وأروقة في كل طابق، وزخرفة مركّزة في الأسفل وفي الداخل. للقصر سقاية حيث للبيت بئر، ورخام حيث للبيت بلاط من الطين المشوي.
ويُظهر قصر الرياس، المعروف بالحصن 23، الترتيب نفسه على خط الماء. بُني في القرن السادس عشر في عهد رمضان ومصطفى باشا، وهو مجمّع من أربعة قصور وعدة بيوت يغطي أكثر من نصف هكتار على الواجهة البحرية، سكنه الرياس، أي قادة السفن، ومن كانوا يعملون في الميناء. وقد نجا من هدم الحي البحري، وهو ما لم ينجُ منه شيء تقريبًا، ورُمّم في أواخر ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته.
ما الذي بقي فعلًا
هذا هو الجزء الذي ينبغي أن يُقال بالأرقام لا بالصفات. في 1962 كان في القصبة نحو ألف ومئتي مبنى تقليدي. وبعد ثلاثين سنة، في 1992، سنة تسجيلها لدى اليونسكو، كان نحو أربعمئة مسكن لا يزال قائمًا. وسقط قرابة خمسين منها في السنوات الأربع بين 1975 و1979 وحدها.
وسارت المباني العامة في الطريق نفسه. فالحيّ الذي كان يضم يومًا مئة وثلاثين مسجدًا وثماني عشرة زاوية لم يبقَ فيه إلا عشرة مساجد وزاويتان. ومن نحو مئة حمام، بقيت ستة.
وفي الأثناء ارتفع عدد السكان. فبلغت الكثافة في عدة أحياء أربعة آلاف نسمة في الهكتار، وهي من أعلى الأرقام المسجلة في أي مكان في العالم، وقُسّمت بيوت الفناء المخصصة لأسرة واحدة بين عدة أسر في آن واحد. والمبنى المصمَّم حول أسرة واحدة وفناء واحد وبئر واحدة لا يحتمل جيدًا أن تسكنه ست أسر.
وتختلف الأرقام باختلاف ما يُحصى، ومن الأجدر قول ذلك بدل اختيار الرقم المريح: فمركز الآغا خان للتوثيق لا يزال يذكر نحو ألف ومئتي بيت في المدينة القديمة، في حين أحصى مسح 2012 المذكور أعلاه أربعمئة مسكن باقٍ من النمط التقليدي. والرقمان يقيسان أمرين مختلفين.
أما النقطة البنيوية فهي التي تغيب عادة. هذا نسيج متصل من الجدران المشتركة على منحدر. والبيت هنا ليس جسمًا قائمًا بذاته يمكن أن ينهار وحده. فحين يسقط بيت، يسحب السند عمّا كان يتكئ عليه، ولا تنحصر الخسارة أبدًا في القطعة التي وقعت فيها. ولهذا فالانهيار في القصبة حدث من نوع مختلف عن الانهيار في أي مكان آخر، ولهذا ينبغي التفكير في الإصلاح على مستوى الكتلة العمرانية لا المبنى الواحد.
أربع كلمات
مفردات البيت
دار
البيت. تُطلق الكلمة على أعظم قصر كما تُطلق على أصغر مسكن، لأنهما المبنى نفسه بمقياسين مختلفين. فدار حسن باشا هي ببساطة بيت حسن باشا.
السقيفة
الغرفة التي تلي باب المدخل مباشرة، حيث كان يُستقبل الزوار من الرجال كي لا يدخلوا البيت نفسه أبدًا. مصفاة لا ممرّ.
وسط الدار
منتصف البيت. الفناء، والمصدر الرئيسي للضوء والهواء النقي لكل غرفة تنفتح عليه.
الساباط
ممر مسقوف. حيث تعبر غرفة فوق الزقاق، يمرّ الزقاق مباشرة عبر المبنى تحتها.
لمحة سريعة
بالأرقام
كل رقم أدناه مأخوذ من المصادر المذكورة في أسفل هذه الصفحة. وحيث يختلف مصدران في العدّ، ذُكر الرقمان كلاهما أعلاه لا أحدهما.
- 54.7 هكتارالمساحة التي سجّلتها اليونسكو سنة 1992 وفق المعيارين الثاني والخامس.
- 118 مارتفاع الموقع عن سطح البحر في أعلى نقطة منه.
- 1516يبدأ العمل في التحصينات العثمانية، وينتهي سنة 1592.
- 1610تُبنى القناة التي تزوّد حمامات المدينة بالماء.
- 1716زلزال تفرض السلطات بعده قواعد مقاومة للزلازل على إعادة بناء الجزائر.
- 1798يبدأ بناء دار مصطفى باشا، ويكتمل سنة 1800.
- 9.5 مطول ضلع فنائها المربّع، وفي وسطه سقاية مثمّنة.
- 709 م²مساحة دار مصطفى باشا، وهي متحف منذ 2007.
- 11,000 م²مجمّع القلعة في قمة المدينة العتيقة.
- 4,000 م²الحصن 23، قصر الرياس، على الواجهة البحرية.
- 3أنواع من الحجر الجيري حدّدها بحث نُشر سنة 2026، خُصّص كلٌّ منها لعمل بنائي مختلف.
- 1,200مبنى تقليدي كان قائمًا في القصبة سنة 1962.
- 400مسكن من هذا النوع بقي قائمًا بعد ثلاثين سنة، في 1992.
- 50مسكنًا فُقدت في السنوات الأربع بين 1975 و1979.
- 10مساجد باقية، من عدد سابق بلغ مئة وثلاثين.
- 6حمامات باقية، من نحو مئة.
- 4,000نسمة في الهكتار في ذروة الكثافة في عدة أحياء، وهي من أعلى الكثافات المسجلة في أي مكان.
تابع القراءة
إلى أين يقود هذا
المصادر
من أين جاءت هذه المعلومات
- UNESCO World Heritage Centre, Kasbah of Algiers
- Archnet, Qasba (Algiers), Aga Khan Documentation Centre, MIT
- Archnet, Dar Mustapha Pacha, Aga Khan Documentation Centre, MIT
- Discover Islamic Art, Museum With No Frontiers, Palace of the Raïs
- Rezzoug and Boussora, The architectural experience of the Kasbah of Algiers, SPATIUM 45, 2021
- Boussaa, The Casbah of Algiers, in Algeria: from an urban slum to a sustainable living heritage, American Transactions on Engineering and Applied Sciences 1(3), 2012
- Bernou, Kassab, Bustamante, Prendes Rubiera and Naimi, Provenance and characterization of building limestones from the Casbah of Algiers, Geoheritage 18, 2026
- Taleb and others, The 1716 Algiers earthquake and the rediscovering of traditional earthquake-resistant measures
قصبة الجزائر
سجلّ مستقل للمدينة العتيقة في الجزائر: عمارتها وتاريخها وأهلها. يكتبه ويشرف عليه سي بشير سمير.
المدينة العتيقة
© 2026 casbah-alger.comكل رقم في هذه الصفحة يمكن تتبّعه إلى المصادر المذكورة أعلاه.


