التراث الشفوي

التراث الشفوي في قصبة الجزائر

كيف كانت الأشياء تُقال وتُغنّى وتُحفظ في الذاكرة، في حيّ بُني بحيث تستطيع النساء أن يعبرن المدينة كلها دون أن تطأ أقدامهن الزقاق.

التراث الشفوي أصعب ما في أي موقع تراثي على من يريد أن يكتب عنه بمسؤولية، لأنه بحكم تعريفه لا يترك وثيقة. وما يمكن فعله بأمانة هو وصف القنوات المادية والاجتماعية التي انتقل عبرها، وهي موثّقة جيدًا، ثم الدقة في تحديد ما لا نعرفه.

شبكة الأسطح، ومن كان يستعملها

أهم حقيقة عن الطريقة التي كانت تنتقل بها الأخبار في القصبة حقيقة معمارية. فالأسطح مستوية، في مستوى يقارب مستوى جاراتها، ومتصلة بعضها ببعض. كان السكان ينتقلون عبرها من بيت إلى بيت دون أن يستعملوا الزقاق أصلًا، وتصف زينب تشيليك الأسطح بأنها فضاء عام بديل يمتد فوق المدينة كلها.

وكان لذلك أثره الاجتماعي قبل أي أثر آخر. كان الزقاق فضاءً عامًا وذكوريًا في واقع الأمر؛ وكان البيت والسطح فضاءين خاصين وأنثويين في واقع الأمر. فكان للقصبة نظاما حركة متراكبان أحدهما فوق الآخر، والنظام العلوي للأسر وللنساء، يعبرن عبره الحي ويلتقين ويتحادثن دون أن يظهرن في مستوى الزقاق أبدًا.

وأي رواية لما كان يُقال ويُتناقل في هذا الحي لا بد أن تبدأ من هناك. فجزء كبير منه قيل فوق الأسطح.

الأماكن الأخرى التي كان الناس يجتمعون فيها

في مستوى الزقاق، الأماكن الموثّقة للاجتماع هي السقاية والحمام والمقهى. كانت قنوات الماء في ضواحي الجزائر تزوّد أهم مقاهي الريف خارج الأسوار، التي تصفها الدراسات بأنها من أبرز فضاءات الاجتماع الذكوري، كما كانت تزوّد أحواض الشرب على الطرق الرئيسية. وكانت الحمامات موعدًا يوميًا ثابتًا، وبلغ عددها في أوجها نحو مئة.

وداخل البيت، كانت النساء في الأساس من يستعمل البئر القائمة في الفناء ويتعهّدها، إذ كنّ مسؤولات عن ماء البيت. فالفناء إذن هو الموضع الذي كان يُنظَّم فيه يوم البيت، وهو الموضع الذي لا يستطيع الزقاق أن يطّلع عليه.

الأسماء بوصفها ذاكرة

من الأشكال الموثّقة للنقل الشفوي في القصبة اسم المكان، وهو أغنى بالمعلومات مما يبدو.

كانت الآبار كثيرًا ما تعطي أسماءها للأحياء المحيطة بها، فصارت ثقافة المدينة المائية مدوّنة في أسماء شوارعها. واسمان من أسماء الأماكن في الجزائر العاصمة ما زالا يحملانها: بئر خادم، وبئر مندريس، وهو اختصار لـ«بئر مراد رايس»، أي بئر الرايس مراد.

وبعد الاستقلال استُعملت الوسيلة نفسها عن قصد. فقد أُعيدت تسمية شوارع في القصبة بأسماء من سقطوا في الحرب: صار شارع لا غرناد يحمل اسم خير الدين زنودة، وصار شارع كليبر شارع الإخوة بشارة، وشارع لا لير شارع أحمد بوزرينة، أما شارع دي أبديرام، حيث قُتل علي لابوانت، فهو اليوم شارع بسة لخضر. وتقرأ ناتاليا فينس إطلاق اسم حسيبة بن بوعلي على أحد الشوارع الكبرى في الجزائر العاصمة محاولةً صريحة من دولة ما بعد الاستقلال لكتابة ذاكرة جماعية رسمية في الفضاء العام.

هذا هو التراث الشفوي وقد كتبت فوقه الذاكرة الرسمية، في أكثر وسائط المدينة علنيةً.

ما لا يوثّقه هذا الموقع، ولماذا

ترتبط القصبة ارتباطًا وثيقًا بالشعبي، الأغنية الشعبية لمدينة الجزائر، وبالرصيد الأندلسي الذي سبقه. ولا تعرض هذه الصفحة ذلك التاريخ، لأنه لم يُعثر له على مصدر يستوفي المعيار الذي يلتزم به هذا الموقع. فما هو متاح بالإنجليزية يخلو في معظمه من الإحالات، والأعمال الجادة مكتوبة بالعربية والفرنسية ولم تكن في المتناول حين كُتبت هذه الصفحة. وبدل تكرار ادعاءات بلا مصدر عمّن ابتكر ماذا ومتى، تتركه الصفحة جانبًا.

وليست هذه الفجوة مصادفة من مصادفات البحث. فللجزائر اثنا عشر عنصرًا مسجّلًا على قوائم اليونسكو للتراث غير المادي، وليس أيّ منها من مدينة الجزائر، كما تبيّن صفحة الثقافة. والتقليد الذي لم يمرّ قط بجرد رسمي ليس له وصف مؤسسي يمكن الاستشهاد به.

وثمة سبب أقسى أيضًا. فالتراث الشفوي يعيش باستمرار السكان، وسكان القصبة لم يستمروا. انتقل الحي من نحو ألف ومئتي مبنى تقليدي سنة 1962 إلى قرابة أربعمئة مسكن باقٍ بحلول 1992، والأسر تغادر البيوت المتداعية طوال تلك المدة.

إن كانت لديك تسجيلات، أو مجموعة عائلية، أو دراسات منشورة عن الثقافة الشفوية لهذا الحي، فذلك بالضبط نوع التصحيح الذي يريده هذا الموقع. يُرجى الكتابة إلى admin@casbah-alger.com.

لمحة سريعة

ما يمكن قوله استنادًا إلى مصدر

تحمل هذه الصفحة ادعاءات أقل مما تحمله معظم الكتابات عن الموضوع، للأسباب التي يعرضها قسمها الأخير.

  1. مستويانحركة القصبة: الأزقة في الأسفل، والأسطح المتصلة في الأعلى. وكان المستوى العلوي في معظمه للأسر وللنساء.
  2. بئرالبئر. كانت الآبار تعطي أسماءها بانتظام للأحياء المحيطة بها، وبقي اسمان منها في بئر خادم وبئر مندريس.
  3. نحو 100حمام في زمن الذروة، وكان موعدًا اجتماعيًا يوميًا ثابتًا. بقيت منها ستة.
  4. أسماء جديدةشارع لا غرناد صار خير الدين زنودة، وشارع كليبر صار شارع الإخوة بشارة، وشارع لا لير صار شارع أحمد بوزرينة، وشارع دي أبديرام صار شارع بسة لخضر.
  5. 0عناصر جزائرية على قوائم اليونسكو للتراث غير المادي تعود أصولها إلى القصبة.
  6. 1,200 إلى 400مبانٍ تقليدية سنة 1962، ومساكن باقية بحلول 1992. واستمرار السكان هو ما يحتاج إليه التراث الشفوي.

تابع القراءة

إلى أين يقود هذا

رواق مكسوّ بالزليج في بيت من بيوت قصبة الجزائر

الثقافة

المؤسسات الوقفية التي حملت الحياة الثقافية للحي، وما آلت إليه.

اقرأ

فناء بيت في قصبة الجزائر

العمارة

شبكة الأسطح والفناء، موصوفين بوصفهما شكلًا مبنيًا.

اقرأ

زقاق مدرّج في قصبة الجزائر

الثورة التحريرية

كيف استُعملت الأسطح نفسها بين 1954 و1962.

اقرأ

قصبة الجزائر

سجلّ مستقل للمدينة العتيقة في الجزائر: عمارتها وتاريخها وأهلها. يكتبه ويشرف عليه سي بشير سمير.

© 2026 casbah-alger.comكل رقم في هذه الصفحة يمكن تتبّعه إلى المصادر المذكورة أعلاه.