القلعة

القلعة وتحصينات قصبة الجزائر

يحمل الحيّ كله اسم هذا البناء، ولا يكاد أحد يدخله. ستون سنة من الترميم، وما زال العدّ مستمرًا.

يستعمل الجميع كلمة القصبة للدلالة على مدينة الجزائر القديمة كلها. لكن الأمر لم يبدأ هكذا. كانت الكلمة اسمًا لبناء واحد، هو الحصن القائم في أعلى التل، ثم استعار بقية الحيّ الاسم لاحقًا. وما زال ذلك البناء قائمًا، وما زال أعلى ما في المدينة العتيقة، وهو قيد الترميم منذ مدة تفوق أعمار معظم الجزائريين.

من هنا بدأت الكلمة

القصبة تعني القلعة. في العهد الزيري، حين تأسست المدينة التي صارت الجزائر، كان المصطلح يدل على القمة المحصّنة من المدينة العتيقة وحدها، ولا شيء سواها. أما اليوم، كما تستعمله اليونسكو، فالقصبة تعني المدينة القديمة كلها داخل خط الأسوار.

هكذا انحدر الاسم نزولًا مع التل. فحين يقول الناس القصبة الآن، يقصدون الهكتارات الـ54.7 كلها التي سجّلتها اليونسكو سنة 1992، وهي مثلث من المساكن المتلاصقة يمتد من القمة، على ارتفاع نحو مئة وعشرين مترًا فوق سطح البحر، نزولًا إلى الماء. أما الحصن الذي كانت الكلمة له يومًا، فصار اليوم بناءً واحدًا في داخلها.

من 1516 إلى 1592: الحصن والسور

بُنيت التحصينات العثمانية للجزائر بين 1516 و1592. إنها مدة بناء طويلة، وتغطي المرحلة التي تحوّلت فيها الجزائر من بلدة ساحلية إلى مقرّ إيالة لها وزنها في غرب البحر المتوسط كله. ارتفعت الأسوار كما ارتفعت طموحات المدينة.

وما أحاطت به الأسوار هو بالضبط ما تحميه اليونسكو اليوم. فالمنطقة التي سجّلتها هي المنطقة التي كان السور يغلقها، ولهذا ما زال حدّ رسمه مهندسون عسكريون في القرن السادس عشر يؤدي عملًا إداريًا في القرن الحادي والعشرين.

ولم تكن الدفاعات موجّهة إلى الطريق البري وحده. فقد كانت الجزائر تعيش من البحر وتتوقع أن تُهاجَم منه، وامتدت التحصينات حتى خط الماء. وقصف سنة 1682 أوضح دليل على أن ذلك التوقع كان في محلّه: فقد دمّر محراب الجامع الكبير، ضمن ما دمّره من أشياء كثيرة.

السور الدفاعي للقلعة فوق قصبة الجزائر

سور القلعة. بُني عملًا من أعمال الهندسة العسكرية، وهو اليوم الخط الذي يرسم حدود موقع من مواقع التراث العالمي.

قصر استغرق أربعة قرون

في داخل القلعة يقوم قصر الداي، مقرّ حكم الجزائر حتى 1830، وأكثر مباني الحيّ عرضة لسوء الفهم. فهو ليس بناءً واحدًا من تاريخ واحد. تصفه الأبحاث التي تناولت بنيته بأنه بُني على امتداد القرون من السادس عشر إلى التاسع عشر، وقد استُخلص تسلسل مراحله بدراسة طبقية، أي بقراءة نسيج البناء نفسه طبقةً طبقة، كما يقرأ عالم الآثار الأرض.

يغطي المجمّع نحو أحد عشر ألف متر مربع، أي أضعاف مساحة أيّ من القصور القائمة أسفل التل. لكن المنطق واحد، وهو المنطق الذي تتبعه تلك البيوت: التراكم. أُضيفت غرف، وأُغلقت أفنية، وبُنيت طبقات فوق أخرى، فكانت النتيجة مخططًا يسجّل قرارات أربعمئة سنة، لا نيّة معماري واحد.

وهذا أيضًا سبب صعوبة ترميمه. فلا يمكن إعادة مبنى إلى حالته الأصلية حين لا تكون له حالة أصلية واحدة يُعاد إليها. كل خيار يتعلق بقصر الداي هو جدال حول أيّ القرون يُفضَّل.

1830: الغرفة التي انتهى فيها كل شيء

في 4 جويلية 1830 بدأ قصف الجزائر. وفي 5 جويلية استسلمت المدينة، ومضى الداي حسين إلى المنفى. ثلاثة قرون من الحكم من فوق هذا التل توقفت في غضون ست وثلاثين ساعة تقريبًا.

أما ما جرى للقلعة بعد ذلك فأمر مدوَّن، لأن من استولوا عليها رسموها. فمخطط المسح الذي نورده أدناه يعود إلى سنة 1830، وأعدّته الإدارة الفرنسية الوافدة، وهذا أمر يحسن تذكّره عند قراءته: إنه وثيقة دقيقة أُنتجت لغرض الإمساك بالمكان.

مخطط قلعة الجزائر المرسوم سنة 1830

القلعة كما مُسحت سنة 1830. مخطط دقيق، رسمه من كانوا قد استولوا عليها للتو.

الماء، والأشياء التي يسهل أن تفوت

الحصن القائم على تلّ جافّ يواجه مشكلة واحدة قبل أي مشكلة أخرى. لم يكن للجزائر نهر، وكل ما شربته كان يصلها عبر القنوات من التلال خلف المدينة. ومن هذه القنوات قناة الحامة، التي بُنيت سنة 1610. وهي تحمل اسم حيّ الحامة ومياهه الجوفية، لا اسم الحمامات.

وليس هذا هامشًا على الدفاعات، بل هو جزء منها. فالمدينة التي يمكن قطعها عن مائها لا تستطيع الصمود، والقنوات والسقايات العمومية المئة والخمس والعشرون المسجّلة بحلول 1674 جزء من الصورة العسكرية بقدر ما هي الأسوار. وفي موضع آخر من هذا الموقع المزيد عن الماء.

الحصن 23، الطرف الآخر من المنظومة

لم يتوقف خط الدفاع عند القلعة. فعلى الواجهة البحرية قام المجمّع المعروف اليوم بالحصن 23، قصر الرياس، الذي بُني في القرن السادس عشر في عهد رمضان ومصطفى باشا، وسكنه قادة السفن والرجال الذين كانوا يعملون في المرسى.

وقد نجا من هدم الحيّ البحري بعد 1830، وهو ما لم ينجُ منه شيء آخر تقريبًا، وأُطلق ترميمه في جويلية 1988 على نحو أربعة آلاف متر مربع. وهو مشروح كما ينبغي في صفحة الدور والقصور، لأنه مجموعة بيوت بقدر ما هو تحصين، وهذه هي الفكرة بالضبط في هذه المدينة: البناء الواحد أدّى الوظيفتين معًا.

ستون سنة من السقالات

بدأ ترميم القلعة في أواخر ستينيات القرن العشرين وما زال جاريًا. أما قصر الداي نفسه فيخضع لترميم بدأ سنة 2006، وما زال خلف السقالات.

ولا يبدو أن المال كان هو القيد. ففي 2016 صرّح وزير الثقافة الجزائري بأن ستمئة وخمسة وسبعين مليون يورو أُنفقت على القصبة على مرّ السنين، دون أن يظهر لها على الأرض إلا القليل. ويتولى أعمال الحفظ الهيئة الوطنية المكلّفة بالحفظ وجمعيات تطوعية، منها جمعية الفنون والتراث لمدينة الجزائر (Arts et Patrimoine d'Alger).

من السهل أن يُكتب ذلك على أنه فشل صريح، لكنه ليس كذلك تمامًا. فترميم تراكم عمره أربعمئة سنة في منطقة زلزالية، وفي حيّ أزقته أضيق من أن تدخلها الآلات، ومبانيه المجاورة مسنودة بالخشب، هو حقًا من أصعب مسائل الحفظ في أي مكان. لكن ستين سنة تبقى ستين سنة.

الأسوار الدفاعية فوق قصبة الجزائر

الدفاعات العليا. يصعب هنا تقدير الحجم، وهذا جزء من سبب سهولة إغفال القلعة حين يُنظر إليها من أسفل.

ما الذي يهدّدها

تذكر اليونسكو الأخطار الدائمة التي تهدد الموقع: الزلازل والحرائق والانزلاقات الأرضية والفيضانات. وفيما يخص القلعة تحديدًا، سجّلت دراسة إنشائية لقصر الداي أضرارًا ناجمة عن زلازل تاريخية وحديثة، وعن القصف، وعن تعديلات أجراها الناس لاحقًا، ووجدت أن كلًّا منها يزيد هشاشة البناء أمام الزلزال التالي. فالجزائر مدينة شديدة الخطر الزلزالي، والقصر بناء متضرر فيها.

أما الحيّ المحيط بها، فقد أحصى عدّ حديث ألفًا وثمانمئة وستة عشر مبنى ما زالت قائمة، نحو أربعين في المئة منها متضرر تضررًا حرجًا أو صار خرابًا، ونحو عُشرها مسدود الأبواب، فيما انهار ثلاثمئة وثلاثة وسبعون انهيارًا تامًا. وفي أفريل 2019 سقط مبنى من أربعة طوابق وقتل خمسة من أفراد أسرة واحدة.

هذه ليست أرقامًا عن معلم أثري. إنها أرقام عن مكان يعيش فيه نحو خمسين ألف شخص.

ما لا تتناوله هذه الصفحة بعد

أبواب أسوار المدينة، باب عزون وباب الوادي والباب الجديد وباب الجزيرة، تتكرر أسماؤها في الكتابات وفي أسماء الشوارع التي بقيت بعدها، لكنني لم أعثر بعد على وصف لها في مصادر ترقى إلى المعيار الذي يلتزم به بقية هذا الموقع. والأمر نفسه ينطبق على الأبراج الدفاعية منفردةً وعلى الحصون البحرية.

ستُضاف حين يتوفر ما يمكن قوله عنها بثقة. وإن كانت لديك وثائق، أو كان بإمكانك تصحيح شيء مما ورد أعلاه، فالرجاء الكتابة إلى admin@casbah-alger.com.

لمحة سريعة

تواريخ وأرقام

كل رقم أدناه مأخوذ من المصادر المذكورة في أسفل هذه الصفحة.

  1. القرن 10الزيريون يؤسسون المدينة. وفي هذه المرحلة لا تدل كلمة القصبة إلا على القمة المحصّنة، لا على الحيّ أسفلها.
  2. 1516بدء العمل في التحصينات العثمانية للجزائر. ويكتمل سنة 1592.
  3. القرن 16 إلى 19قصر الداي داخل القلعة يُبنى ويُوسَّع ويُعاد بناؤه على امتداد أربعة قرون. إنه تراكم، لا تصميم واحد.
  4. 1610بناء قناة الحامة. وهي تحمل اسم حيّ الحامة ومياهه الجوفية، لا اسم الحمامات.
  5. 1674تُسجَّل في الجزائر مئة وخمس وعشرون سقاية عمومية.
  6. 1682قصف للمدينة يدمّر محراب الجامع الكبير، ضمن أشياء كثيرة أخرى.
  7. 4 جويلية 1830بدء قصف الجزائر.
  8. 5 جويلية 1830الجزائر تستسلم. الداي حسين يمضي إلى المنفى، وتكفّ القلعة عن أن تكون مقرّ الحكم.
  9. أواخر ستينيات القرن العشرينبدء ترميم القلعة. وما زال جاريًا.
  10. جويلية 1988إطلاق ترميم الحصن 23 على الواجهة البحرية.
  11. 1992اليونسكو تسجّل 54.7 هكتارًا، وهي المنطقة التي كانت الأسوار تحيط بها.
  12. 2006بدء ترميم لقصر الداي. وما زال البناء خلف السقالات.
  13. 2016وزير الثقافة يصرّح بأن 675 مليون يورو أُنفقت على القصبة على مرّ السنين.
  14. 11,000 م²مساحة مجمّع القلعة في القمة.
  15. 4,000 م²مساحة الحصن 23 على الواجهة البحرية.
  16. 1,816عدد المباني التي ما زالت قائمة بحسب عدّ حديث. نحو 40 في المئة منها متضرر تضررًا حرجًا أو صار خرابًا، وقد انهار 373.

تابع القراءة

إلى أين يقود هذا

سقاية في أحد قصور قصبة الجزائر

الدور والقصور

خمسة بيوت عثمانية نجت، وكيف تُقرأ غرفة في أحدها.

اقرأ

مسجد في القصبة السفلى بالجزائر

المساجد

الجامع الكبير من سنة 1097، والجامع الجديد من سنة 1660، وجامع كتشاوة.

اقرأ

مجسّم للجزائر وقصبتها كما كانت سنة 1830

التاريخ

ستة وعشرون قرنًا على سفح تلّ واحد، وما تركه كل من احتلّه.

اقرأ

قصبة الجزائر

سجلّ مستقل للمدينة العتيقة في الجزائر: عمارتها وتاريخها وأهلها. يكتبه ويشرف عليه سي بشير سمير.

© 2026 casbah-alger.comكل رقم في هذه الصفحة يمكن تتبّعه إلى المصادر المذكورة أعلاه.