المساجد
مساجد قصبة الجزائر
كان في المدينة يومًا نحو مئة وثلاثين مسجدًا، ولم يبقَ منها اليوم سوى عشرة. هذه أهم ثلاثة منها، ومعها حساب ما حلّ بالبقية.
ثلاثة مبانٍ تحمل التاريخ الديني للجزائر، ويحمله كل منها على نحو مختلف. الأول عمره تسعمئة سنة ولم يكفّ يومًا عن أن يكون مسجدًا. والثاني بُني لحسم خلاف حول المذهب الفقهي الذي تتبعه المدينة. والثالث قضى مئة وثلاثين سنة كاتدرائية. وهي معًا تشرح عن المدينة أكثر مما يشرحه أي قدر من الوصف العام.
الجامع الكبير، 1097
الجامع الكبير أقدم مبنى في الجزائر ما زال يؤدي الوظيفة التي بُني من أجلها. شُيّد سنة 490 للهجرة، الموافقة لسنة 1097 للميلاد، في عهد يوسف بن تاشفين، خلال الفترة المرابطية. وليس التاريخ تخمينًا، بل مصدره نقيشة على المنبر، منصة الخطبة.
عرض المخطط أكبر من عمقه. تمتد إحدى عشرة بلاطة عمودية على جدار القبلة، تفصل بينها دعامات تحمل عقودًا نصف دائرية من البناء المطليّ بالجير، ولكل بلاطة سقفها الخاص ذو المنحدرين، فيما تربط عقود مفصّصة مستعرضة البناء كله من طرف إلى طرف. ويحدّ الصحن المستطيل من جانبيه الأضيقين رواق، أي ممر مسقوف.
في المبنى عنصران ليسا أصليين، وكلاهما يكشف شيئًا. المحراب إعادة بناء، لأن المحراب الأصلي دُمّر في قصف سنة 1682. والقائم اليوم يحفّ به عمودان لولبيان صغيران، ويعلوه عقد منكسر مزخرف بالجص النافر. أما المئذنة فإضافة لاحقة، أُقيمت سنة 732 للهجرة، الموافقة لسنة 1332، في الركن الشمالي الغربي. فقد قضى أقدم مساجد المدينة أول مئتين وخمس وثلاثين سنة من عمره بلا مئذنة.
أما الرواق ذو الأعمدة والعقود المفصّصة على الواجهة فأحدث من ذلك أيضًا. بُني في بداية الحقبة الاستعمارية لأن الشارع أمامه أُعيد تخطيطه، فاحتاج المسجد إلى واجهة جديدة تلاقيه.

أحد المساجد الباقية في المدينة السفلى. لم يبقَ سوى عشرة من نحو مئة وثلاثين.
الجامع الجديد، 1660، والصليب الذي ليس صليبًا
بُني الجامع الجديد سنة 1070 للهجرة، الموافقة لسنة 1660، للداي مصطفى باشا، في موضع مدرسة أبي عنان. وكان في الحيّ المحيط به أيضًا مسجد أصغر يرتاده الصيادون، وباب البحر. وهو يتبع المذهب الحنفي، ولذلك أهميته: فقد كانت في الجزائر العثمانية طبقة حاكمة حنفية وسكان مالكيون في غالبيتهم، وكان لكل من المذهبين جامعه الرئيسي.
ومن حيث البناء، هو أكثر مباني القصبة طموحًا. تقوم قبة مركزية بيضوية، يبلغ سطحها الداخلي أربعة وعشرين مترًا عند الذروة، على أربع دعامات بواسطة رقبة وأربعة مثلثات ركنية. وتشغل الأركان أربع قباب مثمّنة، تفصلها عن الوسط أقبية نصف أسطوانية. ويمتد القبو المقابل لجدار القبلة فوق ثلاثة أساكيب، ويحفّ به جناحان.
إذا رسمت هذا المخطط خرج لك صليب لاتيني. وهذه أكثر قصة تتردد عن أي مبنى في الجزائر: أن مهندسًا مسيحيًا أسيرًا وقّع المسجد برمز عقيدته فأُعدم بسبب ذلك. إنها أسطورة. فشكل الصليب هو ما تحصل عليه حين تضع قبة مركزية على أربع دعامات وتمدّ ذراعًا واحدة من الأقبية، ونشأت القصة حول الهندسة بعد ذلك. ومعرفتها مفيدة بالضبط لأنك ستسمعها، ولأن حقيقة المبنى أمتع من الأسطورة: ففي جزائر سنة 1660 كان هناك من يثق بنفسه بما يكفي ليجرّب قبة بارتفاع أربعة وعشرين مترًا.

للزخرفة في داخل مباني القصبة قاعدة واحدة، دينية كانت أو منزلية: تكون في الأسفل، حيث يلتقي الإنسان بالمبنى.
كتشاوة، المبنى الذي غيّر دينه مرتين
بُني جامع كتشاوة سنة 1612، ووُسّع في عهد الباشا حسن. وتذكر المصادر عامي 1792 و1794 لهذا التوسيع، ولن تدّعي هذه الصفحة أنها تعرف أيّهما الصحيح. وهذا التوسيع هو ما جعله المسجد الرئيسي في القصبة السفلى.
الاسم محلي وغير رسمي. يُنسب إلى الكلمة التركية التي تعني الماعز، نسبةً إلى سوق للمواشي كان يُقام قريبًا منه. والموقع أقدم من المسجد: فقد تأكد وجود منشآت رومانية تحته، ويرى المؤرخون أن المسجد حلّ محل كنيسة من القرن الحادي عشر. أربع طبقات من الاستعمال إذن، على قطعة أرض واحدة.
في 1832، بعد سنتين من سقوط المدينة، استولى الفرنسيون عليه للعبادة المسيحية، وفي 1845 كُرِّس كاتدرائية باسم القديس فيليب. وظلّ كنيسة نحو مئة وثلاثين سنة. وعند الاستقلال سنة 1962 أُقيمت فيه من جديد أول صلاة جمعة منذ أكثر من قرن.
وآخر فصوله ترميم موّلته الدولة التركية بموجب بروتوكول وُقّع في سبتمبر 2013. وأُعيد فتح المبنى في 9 أفريل 2018 بعد أربع سنوات من الأشغال. إنه أوضح نجاح في قصة صون القصبة كلها، وقد تحقق لأن حكومة أجنبية دفعت ثمنه.
ما الذي حلّ بالمئة والعشرين الأخرى
الأرقام قاسية، وتستحق أن تُذكر كاملة. حيّ كان يضم يومًا مئة وثلاثين مسجدًا وثماني عشرة زاوية لم يبقَ فيه اليوم سوى عشرة مساجد وزاويتين. ومن نحو مئة حمام، بقيت ستة.
بعض ذلك يعود إلى هدم المدينة السفلى بعد 1830، الذي أتى على شوارع كاملة دفعة واحدة. وبعضه يعود إلى الانهيار العام للنسيج العمراني: فالمسح نفسه الذي أحصى المساجد سجّل نحو ألف ومئتي مبنى تقليدي سنة 1962، ونحو أربعمئة مسكن باقٍ بحلول 1992.
لكن فيه أيضًا آلية دينية بعينها. لم تكن هذه المباني تُموَّل من جماعات المصلين، بل من الحبوس، أي أوقاف من الأملاك خُصّص ريعها بصفة دائمة لصيانة مسجد أو سقاية أو مدرسة. والمبنى الموقوف عليه له دخل للصيانة ما دام الوقف قائمًا. فإذا انقطعت الصلة بين الوقف والمبنى صار لديك بناء عليه فاتورة إصلاح ولا شيء يُدفع منه. وهذا هو السبب الصامت الذي يجعل مسجدًا يصمد ثمانمئة سنة ثم يسقط في ثمانين.

سقف مشغول. في مبنى لم يعد له وقف، هذا أول ما يضيع وآخر ما يقدر أحد على إعادته.
ما لا تتناوله هذه الصفحة بعد
في القصبة مساجد وأضرحة تستحق عناية حقيقية ولا تجد مكانها هنا بعد، لأنني لم أعثر لها على مصادر ترقى إلى المعيار الذي يلتزم به سائر هذا الموقع. وأبرز ما غاب هو سيدي عبد الرحمن، ضريح الوليّ الصالح لمدينة الجزائر. ومن الغائبين أيضًا جامع سفير، ومساجد الأحياء الأصغر، والمدارس.
ستُضاف حين يتوفر ما يمكن قوله عنها بثقة، لا قبل ذلك. وإلى ذلك الحين، إن كانت لديك وثائق عن أيٍّ منها، أو كان بوسعك تصحيح شيء مما سبق، فالرجاء الكتابة إلى admin@casbah-alger.com.
أربع كلمات
مفردات المسجد
المنبر
منصة الخطبة. ويحمل منبر الجامع الكبير النقيشة التي تؤرّخ المبنى كله بسنة 1097.
المحراب
التجويف في جدار القبلة الذي يدل على اتجاه الصلاة. دُمّر محراب الجامع الكبير في قصف سنة 1682 ثم أُعيد بناؤه.
الرواق
ممر مسقوف على امتداد أحد جوانب الصحن. وفي الجامع الكبير رواق على كل من جانبي الصحن الأضيقين.
الحبوس
وقف دائم من الأملاك كان ريعه يصون مسجدًا أو سقاية أو مدرسة. إذا انقطع الوقف فقد المبنى مال إصلاحه.
لمحة سريعة
تواريخ وأرقام
كل رقم أدناه مأخوذ من المصادر المذكورة في أسفل هذه الصفحة. وحيث تذكر المصادر تاريخين، يُعرض كلاهما.
- 1097بناء الجامع الكبير في عهد يوسف بن تاشفين، خلال الفترة المرابطية. والتاريخ مأخوذ من نقيشة على المنبر.
- 1332إضافة مئذنة في الركن الشمالي الغربي للجامع الكبير، بعد مئتين وخمس وثلاثين سنة من بناء المسجد نفسه.
- 1612بناء جامع كتشاوة، في موقع كانت فيه منشآت رومانية، وكنيسة من القرن الحادي عشر بحسب ما يرى المؤرخون.
- 1660بناء الجامع الجديد للداي مصطفى باشا، في موضع مدرسة أبي عنان.
- 1682قصف يدمّر المحراب الأصلي للجامع الكبير.
- تسعينيات القرن الثامن عشرتوسيع جامع كتشاوة في عهد الباشا حسن ليصبح المسجد الرئيسي في القصبة السفلى. وتذكر المصادر عامي 1792 و1794.
- 1832بعد سنتين من سقوط المدينة، يستولي الفرنسيون على جامع كتشاوة للعبادة المسيحية.
- 1845تكريس جامع كتشاوة كاتدرائية باسم القديس فيليب. ويبقى كنيسة نحو 130 سنة.
- 1962الاستقلال. وتُقام في جامع كتشاوة من جديد أول صلاة جمعة منذ أكثر من قرن.
- 2013توقيع بروتوكول في سبتمبر لترميم جامع كتشاوة بتمويل تركي.
- 2018إعادة فتح جامع كتشاوة في 9 أفريل، بعد أربع سنوات من الأشغال.
- 24 مالارتفاع الذي يبلغه السطح الداخلي لقبة الجامع الجديد.
- 11عدد بلاطات الجامع الكبير، تفصل بينها دعامات تحمل عقودًا نصف دائرية.
- 130مسجدًا أُحصيت يومًا في القصبة. بقي منها عشرة.
- 18زاوية أُحصيت يومًا. بقيت منها اثنتان.
- 100حمام أُحصي يومًا. بقي منها ستة.
تابع القراءة
إلى أين يقود هذا
المصادر
من أين جاءت هذه المعلومات
- Discover Islamic Art, Museum With No Frontiers, Djama‘a al-Kebir (Great Mosque)
- Discover Islamic Art, Museum With No Frontiers, Djama‘a al-Djedid (New Mosque)
- Archnet, Djamaa Ketchaoua, Aga Khan Documentation Centre, MIT
- Archnet, Jami‘ al-Kabir (Algiers), Aga Khan Documentation Centre, MIT
- TİKA, restoration and reopening of the Ketchaoua Mosque
- Discover Islamic Art, Museum With No Frontiers, the public fountains of Algiers
- Boussaa, The Casbah of Algiers, in Algeria: from an urban slum to a sustainable living heritage, American Transactions on Engineering and Applied Sciences 1(3), 2012
- UNESCO World Heritage Centre, Kasbah of Algiers
قصبة الجزائر
سجلّ مستقل للمدينة العتيقة في الجزائر: عمارتها وتاريخها وأهلها. يكتبه ويشرف عليه سي بشير سمير.
المدينة العتيقة
© 2026 casbah-alger.comكل رقم في هذه الصفحة يمكن تتبّعه إلى المصادر المذكورة أعلاه.


