الدور والقصور
الدور والقصور في قصبة الجزائر
خمسة بيوت عثمانية نجت، وما هو كل واحد منها، وكيف تقرأ قاعة حين تقف في إحداها.
القصر في الجزائر يُسمّى دار، أي بيت. وليس هذا من غرائب الترجمة، بل هو جوهر المسألة كلها. فالمباني الفخمة في القصبة ليست نمطًا معماريًا مستقلًا له قواعده الخاصة. إنها بيت المدينة العتيقة العادي ذو الفناء، بُني بمال أكثر ورخام أكثر ومساحة أرحب، وإذا قُرئت بوصفها بيوتًا صار فهمها أيسر بكثير من قراءتها بوصفها قصورًا.
لماذا الكلمة واحدة
لا يتغير المخطط حين تكبر الميزانية. تدخل من زقاق ضيق عبر باب واحد إلى السقيفة، وهي قاعة الاستقبال التي توقف الزائر فلا يتقدم أبعد منها. والسقيفة منعطفة، حتى لا يرى الواقف عند الباب ما في الداخل. وبعدها ينفتح البناء على وسط الدار، أي الفناء القائم في قلب البيت، تحيط به الأروقة في كل طابق، وعليها تنفتح الغرف. وتتركز الزخرفة في الأسفل وفي الداخل: على جدران الفناء والدرج ومصاريع الأبواب. أما الواجهة المطلة على الزقاق فلا تنال منها شيئًا.
هذا هو البيت المتواضع، وهو أيضًا دار مصطفى باشا. فما يشتريه المال ليس فكرة مختلفة، بل مزيد من الفكرة نفسها: سقاية بدل البئر، ورخام بدل البلاط الفخاري، وطابقان من الأروقة بدل طابق واحد، وفناء ثانٍ حين تسمح قطعة الأرض بذلك. وكان لعدد من هذه البيوت أيضًا دويرة، أي بيت ملحق صغير متصل بالمبنى الرئيسي، وبها كانت الأسرة تتسع دون أن تنتقل.
ومن أراد قواعد هذه اللغة المعمارية نفسها يجدها مبسوطة في صفحة العمارة. أما ما يلي هنا فهو المباني الخمسة.

أروقة على مستويين حول فناء. والترتيب نفسه في البيت المتواضع وفي القصر.
دار عزيزة، أقدمها
يعود تاريخ دار عزيزة إلى القرن السادس عشر، وهي من القِدم بحيث تظهر على خرائط المدينة في القرن السادس عشر، قائمةً بجوار دار السلطان، أي بيت السلطان، التي سمّاها العثمانيون لاحقًا الجنينة. ويقول التراث الشفوي إن أحد الدايات أهدى البيت لابنته عزيزة، ومن هنا جاء الاسم. ومن الأمانة القول بوضوح إن هذه رواية متوارثة لا وثيقة.
والمدخل أجمل ما فيها. سقيفة متعرجة تقود إلى قاعة أبعادها 7.6 على 3.75 متر، تمتد على جانبيها مصاطب تُسمّى الدكّانة، تحفّ بكل مصطبة أعمدة تصل بينها من أعلى أقواس. لم يكن أحد بحاجة إلى مصاطب بهذه الفخامة ليجلس عليها. إنها هناك لأن هذه القاعة هي حيث تلتقي الأسرة بالعالم الخارجي، وقد بُنيت لتكون أبهى ما قد يراه زائر من البيت على الإطلاق.
وأُقيم المبنى على مستويين حول الفناء، بأروقة من أعمدة الرخام الأبيض ذات الزخرفة المجدولة، أي البدن الملتوي الذي يُعدّ علامة مميزة للجزائر. وكان فيه حمام ومخازن وسقاية في إحدى الزوايا. وما زالت في النوافذ أُطر رخامية مشبّكة، وحول الأبواب أُطر من الرخام، وعلى الجدران ما زال الخزف في مكانه.
ولم تخرج من سنة 1830 سالمة. فقد هُدمت الدويرة المجاورة بين 1831 و1838، واقتضى ذلك تعديل المدخل الرئيسي. ولم يبقَ من الجزأين اللذين كانت تتألف منهما في الأصل سوى المبنى الرئيسي.
دار حسن باشا، وثمن أن تكون نافعًا
بُنيت دار حسن باشا سنتي 1790 و1791 على يد حسن باشا الخزناجي، ويعني لقبه حسن أمين الخزينة. وبعد أن استولى الفرنسيون على المدينة سنة 1830 صارت المقرّ الشتوي لحاكم الجزائر.
ولهذا ما زالت قائمة، وهذا أيضًا ما حلّ بها. ففي 1839 جُدّد المبنى تجديدًا واسعًا لساكنه الجديد: نُقل المدخل وأُعيد تصميم الواجهة. وأكثرُ ما في بيت القصبة مواجهةً لأوروبا، أي الجدار الأصمّ الذي كان يُفترض ألا يقول شيئًا على الإطلاق، أُعيد بناؤه ليقول شيئًا.
وهي أوضح مثال في هذه الصفحة على الصفقة التي عقدتها هذه المباني. فما وجد منها وظيفة في ظل الاحتلال بقي، ودفع الثمن تعديلات. وما لم يجد وظيفة سقط معظمه.

دار حسن باشا. أُعيد بناء واجهتها سنة 1839 من أجل حاكم، ولهذا تواجه الشارع على نحو لا يفعله بيت القصبة عادةً.
دار مصطفى باشا، تلك التي أفلتت
بُنيت دار مصطفى باشا بين 1798 و1800 لمصطفى باشا، داي الجزائر، وهي من القصور النادرة في المدينة التي عبرت الاحتلال الفرنسي دون تحوّل كبير. وإن لم ترَ إلا مبنى واحدًا من هذه المباني فلتكن هذه، لأنها الأقرب إلى ما كانت عليه جميعها ذات يوم.
تقود ثلاثة دهاليز مقبّبة إلى فناء مركزي مربّع طول ضلعه 9.5 أمتار، تتوسطه سقاية مثمّنة. ويحيط بالفناء من جهاته الأربع طابقان من الأروقة، يحمل كل جانب منها أربعة أقواس حدوية مدبّبة. والأعمدة ملفوفة، أبدانها ملتوية، وتيجانها مركّبة تحمل أهلّة. والأرضيات مفروشة بمسدّسات من الرخام. أما الأجزاء السفلى من الجدران، والكوّات، فمكسوّة بالزليج.
ويغطي المبنى كله 709 أمتار مربعة، وهو رقم يستحق التوقف عنده: فقصر داي بأكمله يتسع داخل مساحة بيت ونصف من بيوت الضواحي المتواضعة. هذه المباني ليست كبيرة. إنها كثيفة، ومنطوية على داخلها، والأثر الذي تتركه لا علاقة له بالحجم.
ومنذ 2007 تحتضن المتحف الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط.

سقاية قصر. فحيث يكون في فناء البيت العادي بئر، يكون في القصر ماء جارٍ في الموضع نفسه.
دار خداوج العمياء، والبيت الذي تحتها
لا أحد يعرف متى بُنيت دار خداوج العمياء أول مرة. أما الموثّق فهو أن وزير المالية لدى الداي محمد بن عثمان اشتراها سنة 1789 لابنته خداوج العمياء، وباسمها سُمّي المبنى. تقع في القصبة السفلى، وربما قامت على موضع زاوية تعود إلى القرن الثامن.
وتصطف على جانبي ممر المدخل أروقة تقوم على صفوف من ثلاثة أعمدة، فيتحول جانبا الممر إلى سلسلة من الكوّات الضحلة، أما السقيفة نفسها فمسقوفة بقبو نصف أسطواني. ووراء الفناء الرئيسي فناء ثانٍ تحيط به غرف يبدو أنها كانت في الأصل بيتًا مستقلًا ضُمّ إلى هذا البيت. ويكرر الطابق العلوي ترتيب الطابق الأرضي: أروقة تنفتح على غرف فسيحة، وُسّعت إحداها. وقد رأى الباحث ل. غولفان في هذه الغرفة الموسّعة قاعة طعام من عهد لاحق.
وليس ابتلاع البيت لجاره أمرًا عارضًا في القصبة، بل هو الطريقة المعتادة التي كانت تتوسع بها الأسرة الميسورة على تلّ لا أرض فائضة فيه. اقرأ المخطط وسترى في الغالب موضع الوصل.
وهي اليوم المتحف الوطني للفنون والتقاليد الشعبية.
قصر الرياس، حيث التقت المدينة بالبحر
قصر الرياس، المعروف منذ ترميمه باسم الحصن 23، هو الاستثناء بينها، لأنه ليس بيتًا واحدًا، ولا يقع في أعلى التل. بُني في القرن السادس عشر في عهد رمضان ومصطفى باشا، وهو مجمّع من أربعة قصور وعدة بيوت على الواجهة البحرية، يغطي أكثر من نصف هكتار. سكنه الرياس، أي قباطنة السفن، والناس الذين كانوا يعملون في الميناء. وتخترق أجزاءً منه ممرات مسقوفة تُسمّى السّاباط، يمرّ فيها الزقاق تحت غرفة بدل أن يلتفّ حولها.
ولم يبقَ من الحي البحري شيء آخر تقريبًا. فقد هُدمت المدينة السفلى الممتدة على الماء بعد 1830، ونجا هذا المجمّع من تلك الإزالة، وهو ما يجعله المكان الوحيد الذي لا تزال تُرى فيه على الأرض العلاقة بين المدينة العتيقة ومينائها.
انطلق الترميم في جويلية 1988 وتواصل خلال تسعينيات القرن العشرين على نحو أربعة آلاف متر مربع. وأعادت الأشغال إنتاج كسوة الجدران بالخزف، والخشب المنحوت، والشبابيك من الحديد المطروق، والرخام، والكوابيل، ونجحت في استعادة أجواء الدواخل على نحو مقنع. لكنها أثارت أيضًا جدلًا بين المختصين في الحفظ حول الحدّ الذي تظل عنده إعادة البناء أمينة، وهو جدل لم يُحسم، وربما لا ينبغي أن يُحسم.

داخل أحد القصور. زليج حتى مستوى الكتف، وفوقه خشب منحوت، والضوء آتٍ من فناء خارج إطار الصورة.
القصر الذي ما زال ورشة بناء
في القمة تقوم القلعة، وفي داخلها قصر الداي، مقرّ الحكم حتى 1830. ويغطي المجمّع نحو أحد عشر ألف متر مربع. بدأ ترميمه في أواخر ستينيات القرن العشرين وما زال جاريًا، أي إنه مستمر منذ مدة أطول من أعمار معظم من يقرؤون هذه السطور.
وله صفحته الخاصة في هذا الموقع، لأن القلعة حصن بقدر ما هي مقرّ سكن.
كيف تقرأ قاعة
إن دخلت أحد هذه المباني، فخمسة أشياء ستخبرك بمعظم ما ينبغي معرفته.
انظر إلى بدن العمود. البدن الملتوي أو المجدول من الرخام الأبيض هو علامة الجزائر، وهو يؤدي وظيفة إنشائية إلى جانب وظيفته الزخرفية. انظر إلى التاج. التيجان المركّبة تتكرر كثيرًا، وبعضها يحمل أهلّة. ابحث عن الحافة العليا للزليج. يتوقف الزليج عند مستوى كتف الواقف تقريبًا، لأن ذلك هو النطاق الذي يلامسه الجسد. وفوقه يبقى الجدار عاريًا، ويذهب المال إلى الأعمال الخشبية بدلًا منه.
ابحث عن الماء. السقاية في وسط الفناء تعني قصرًا، والبئر في الموضع نفسه تعني بيتًا. الموضع لا يتغير، وإنما يتغير ما يشغله. ثم تبيّن من أين يأتي الضوء. في الدار المبنية كما ينبغي، كل غرفة تقف فيها تستمد ضوءها من الفناء لا من الزقاق، وحين تنتبه إلى ذلك تكون قد فهمت المبنى.
ما تقوله هذه الصفحة، وما لا تقوله
تأتي تواريخ هذه المباني من مصادر متنوعة: نقوش، وعقود بيع، وخرائط المدينة في القرن السادس عشر، والسجلات الاستعمارية الفرنسية، والتراث الشفوي. وليست كلها من نوع واحد من الأدلة، وهذه الصفحة تبيّن أيّها من أيّ نوع. فصلة دار عزيزة بابنة داي رواية متوارثة. وشراء دار خداوج العمياء سنة 1789 صفقة بيع. وتواريخ دار مصطفى باشا ثابتة. وتعديل دار حسن باشا سنة 1839 مدوّن في السجل الاستعماري لأن الإدارة الاستعمارية هي التي أمرت به.
والحذر نفسه ينطبق على الصور. فإحدى الصور المستخدمة في هذا الموقع مفهرسة تحت اسمين، دار الخزناجي أو دار عزيزة، لأن من سجّلها لم يكن متأكدًا من البيت الذي تُظهره. وهذا الالتباس منقول هنا كما هو، لا محسوم بالتخمين.
إن كنت تعرف إحدى هذه القاعات باسمها وتستطيع أن تقول إلى أي مبنى تنتمي، فاكتب من فضلك إلى admin@casbah-alger.com. فتصويبات من يعرفون هذه البيوت أثمن من أي شيء آخر في هذه الصفحة.
أربع كلمات
مفردات القصر
دار
بيت. هي الكلمة نفسها لأصغر مسكن ولقصر داي، لأنهما المبنى نفسه بمقياسين مختلفين.
دويرة
بيت ملحق صغير متصل ببيت أكبر. بها كانت الأسرة تتسع على تلّ لا أرض فائضة فيه للبناء.
دكّانة
المصاطب المبنية التي تحفّ بقاعة المدخل، وتقوم عادةً بين الأعمدة. هنا كانت الأسرة تجلس لاستقبال العالم الخارجي.
خزناجي
أمين الخزينة. كانت الجزائر العثمانية تسمّي مبانيها بأسماء المناصب التي شغلها أصحابها، ولهذا يمكن أن يُسمّى بيت دار حسن باشا أو دار الخزناجي.
لمحة سريعة
المباني الستة
كل تاريخ وقياس أدناه مأخوذ من المصادر المذكورة في أسفل هذه الصفحة، والصفحة تبيّن المواضع التي تقوم فيها الرواية المتوارثة مقام الوثيقة.
- دار عزيزةالقرن السادس عشر. يقول التراث الشفوي إن أحد الدايات أهداها لابنته عزيزة. تظهر على خرائط القرن السادس عشر بجوار دار السلطان. أبعاد قاعة المدخل 7.6 على 3.75 متر.
- دار حسن باشابناها حسن باشا الخزناجي بين 1790 و1791. أُخذت سنة 1830 لتكون المقرّ الشتوي لحاكم الجزائر، وعُدّلت سنة 1839 حين نُقل المدخل وأُعيد تصميم الواجهة.
- دار مصطفى باشابُنيت بين 1798 و1800 لمصطفى باشا، داي الجزائر. فناء مربّع ضلعه 9.5 أمتار ضمن 709 أمتار مربعة. من القصور النادرة التي لم تُغيَّر تغييرًا كبيرًا في عهد الاحتلال. متحف وطني منذ 2007.
- دار خداوج العمياءاشتراها سنة 1789 وزير المالية لدى الداي محمد بن عثمان لابنته التي تحمل الدار اسمها. ربما بُنيت فوق زاوية تعود إلى القرن الثامن. وهي اليوم المتحف الوطني للفنون والتقاليد الشعبية.
- قصر الرياسالقرن السادس عشر، في عهد رمضان ومصطفى باشا. أربعة قصور وعدة بيوت على امتداد نصف هكتار على الواجهة البحرية، سكنها قباطنة السفن. رُمّم ابتداءً من جويلية 1988 على نحو 4,000 متر مربع. الحصن 23.
- قصر الدايفي القلعة بأعلى التل، مقرّ الحكم حتى 1830. يغطي المجمّع نحو 11,000 متر مربع. بدأ ترميمه في أواخر ستينيات القرن العشرين ولم يكتمل.
تابع القراءة
إلى أين يقود هذا
المصادر
من أين جاءت هذه المعلومات
- Discover Islamic Art, Museum With No Frontiers, Dar ‘Aziza Bint al-Bay
- Discover Islamic Art, Museum With No Frontiers, Dar Khdaouedj el-Amia
- Discover Islamic Art, Museum With No Frontiers, Palace of the Raïs
- Archnet, Dar Mustapha Pacha, Aga Khan Documentation Centre, MIT
- Architectural Lantern Slides of Algeria, Dar Hassan Pacha, Hesburgh Libraries, University of Notre Dame
- Boussaa, The Casbah of Algiers, in Algeria: from an urban slum to a sustainable living heritage, American Transactions on Engineering and Applied Sciences 1(3), 2012
- Archnet, Qasba (Algiers), Aga Khan Documentation Centre, MIT
- UNESCO World Heritage Centre, Kasbah of Algiers
قصبة الجزائر
سجلّ مستقل للمدينة العتيقة في الجزائر: عمارتها وتاريخها وأهلها. يكتبه ويشرف عليه سي بشير سمير.
المدينة العتيقة
© 2026 casbah-alger.comكل رقم في هذه الصفحة يمكن تتبّعه إلى المصادر المذكورة أعلاه.


