الماء

الماء في قصبة الجزائر

مدينة بلا نهر، على تلّ، تتوقع الحصار. كل ما في طريقة بناء الجزائر ينبع من ذلك.

ليس للجزائر مجرى ماء دائم، لا نهر ولا جدول. كل ما شربته المدينة كان لا بد أن يُحمل إليها من التلال خلفها، أو يُستخرج من الأرض تحتها، أو يُجمع من فوق أسطحها. ثلاثة أنظمة منفصلة، بُنيت على مدى ثلاثة قرون، والقصبة هي ما تبدو عليه مدينة تأخذ الثلاثة كلها مأخذ الجد.

المياه الجوفية والينابيع والمطر

كانت الموارد شحيحة، وكانت تُحصى. سُجّلت تسعة ينابيع حول المدينة وداخلها، تتفاوت غزارتها تفاوتًا كبيرًا: كان نبع سيدي عبد الرحمن يعطي نحو 25 مترًا مكعبًا في اليوم، والنبع الواقع في خنادق سور باب عزون نحو 80، ونبع المغسل العمومي في باب عزون نحو 180.

وأول من ذكر الآبار في الجزائر هو الجغرافي الإدريسي. وبحلول القرن الثالث عشر لم يعد المورد الطبيعي يكفي السكان، فاشتدّت المدينة في الحفر. وما لم تستطع بلوغه بالحفر جمعته: ماء المطر من الأسطح، يُصرَّف نزولًا إلى صهريج تحت الفناء.

القنوات، ولماذا ليست رومانية

هذا هو الجزء الذي يُوصف عادةً على نحو خاطئ. قنوات الجزائر عثمانية لا رومانية، وعلى خلاف حلب أو تونس لم ترث المدينة منشآتها المائية عن إمبراطورية سابقة، بل تدين بها لحكامها الأتراك.

بين منتصف القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر بُنيت أربع قنوات رئيسية لتزويد المدينة العتيقة بالماء، وخدمت ثلاث أخرى الفحص، أي الريف خارج الأسوار. وكانت تلك الأربع تزوّد المسالخ والمدابغ والحصون ومرابض المدافع القريبة من الأبواب والسقايات العمومية، وأبقت المدينة قائمة حتى نحو 1910.

وما يجعلها غير مألوفة هو هندستها. فهي ليست مجاري بسيطة تسير بالانحدار وحده، بل تستعمل السوترازي، وهي أبراج ضغط تعمل بمبدأ السيفون المقلوب، وتقنية جُلبت من القسطنطينية. والكلمة مركّب فارسي تركي من سو، أي الماء، وترازي، أي الميزان: ميزان الماء. تشبه هذه الأبراج المسلّة إلى حد ما، وكان البرج القائم على قناة عين الزبوجة يرتفع ثمانية أمتار، بحسب أول مسح أجراه سلاح الهندسة الفرنسي في 10 ماي 1847. وكانت الأنابيب داخلها من الخزف لا من الرصاص.

يوفّر السوترازي نصف البناء الذي تحتاجه قناة محمولة على أقواس، ويعمل في أرض متقطعة لا ينفع فيها السيفون العادي. ولهذا استعملتها مدينة قائمة على سفح ساحلي شديد الانحدار كثير الطيّات.

كم كان عددها؟ في 1833 قدّر النقيب روزي، الجيولوجي والجغرافي الملحق بالجيش الفرنسي، قنوات المدينة وريفها بأكثر من مئتين. ويُعدّ آخر القنوات العثمانية عمومًا قناة عين الزبوجة، التي بناها شريف خوجة باشا نحو 1619، وكانت تستمد ماءها من نبع قرب دالي إبراهيم وتحمله إلى القصبة. ويقوم جزء باقٍ منها، طوله ثمانون مترًا وارتفاعه اثنا عشر مترًا، داخل مسكن خاص. وقد صُنّف تراثًا وطنيًا سنة 2012 ورُمّم سنة 2014.

فناء بيت في قصبة الجزائر

الفناء هو حيث كان الماء يصل، وحيث كان يُخزَّن. والصهريج تحته.

السقايات، وخلاف حول عددها

كان الماء يبلغ الزقاق عبر السقايات العمومية، وعددها هو المقياس المعتاد لحال المدينة. وهو أيضًا رقم لا يتفق عليه أحد، لذا نورد هنا السجل كاملًا بدل الرقم المريح.

يذكر موقع Discover Islamic Art سبع سقايات في القرن السادس عشر بحسب هايدو، ومئة وخمسًا وعشرين بحسب الفارس دارفيو في 1674 إلى 1675، وثلاثًا وسبعين مسجّلة سنة 1840. أما مسح لسجلات الرحّالة والأرشيف أجرته دليلة كامش أوزيدان فيعطي نطاقًا يتراوح تقريبًا بين مئة ومئة وخمسين، مفصّلًا: أكثر من مئة عند بيير دان سنة 1634، ومئة وخمس وعشرون عند دارفيو، ومئة وخمسون عند توماس شو سنة 1738، وثلاث وسبعون في تقرير نقيب الهندسة غويو دوكلو المؤرخ في 24 فيفري 1840. يتفق المصدران على 1674 وعلى 1840، ولا يتفقان على كثير غير ذلك. وجزء من الفجوة يعود إلى التعريف: فالأعداد الأكبر تشمل سقايات الوضوء في المساجد وسقايات الثكنات والقصور، لا سقايات الأزقة وحدها.

بنى الدايات معظمها في القرن الثامن عشر. وكان يموّلها محسنون، وحملت كل واحدة منها لوحة من الرخام أو الحجر الأردوازي، بالعربية أو بالتركية العثمانية، تعدّد مناقب من دفع ثمنها. وكانت خلفها إدارة: خوجة العيون، أي كاتب السقايات، يدير أوقاف الحبوس التي تُجمع لحسابها.

وقد بقيت واحدة منها ونقشها ما زال مقروءًا. فالسقاية المعروفة باسم «كال أو فان» بناها الداي حسين سنة 1820 خارج باب الجزيرة، ثم نُقلت سنة 1867، وأُوقفت لفائدة الدولة سنة 1905، ونُقلت مرة أخرى لتقوم مستندة إلى جدار مصلحة الآثار. يبدأ نصها بعبارة معناها: كل شيء يحيا بالماء. وينتهي بدعوة القارئ إلى أن يشرب.

البئر في الفناء

كان لكل بيت بئره. وليس هذا مجازًا، بل هو قريب من الحقيقة الحرفية، وكان يعزّزه إلزام: فقد كان على المالكين أن يجمعوا ماء المطر من أسطحهم ويصرّفوه نزولًا إلى الصهريج تحت الفناء. والسبب مذكور صراحة في المصادر: ألّا تُقطع المدينة عن ماء القنوات بحصار أو بزلزال.

الصهريج هو الجب: خزان تحت الأرض من الحجر أو الآجر، مقبّب، يقع تحت الفناء، مكسوّ بملاط عازل للماء من الجير والآجر المسحوق، ويُغذّى بالانحدار من السطح عبر أنابيب مدمجة في البناء. وأحجامه تتبع ثروة البيت بدقة. ففي كثير من بيوت المدينة العليا صهاريج من عشرين إلى خمسة وعشرين مترًا مكعبًا. ولدار خداوج العمياء صهريج يقارب مئة وخمسين. أما صهريج قصر الداي فأبعاده عشرة أمتار في 7.3 في 4.6، أي نحو ثلاثمئة وستة وثلاثين مترًا مكعبًا، ويُغذّى بماء المطر من أسطح القصر عبر أنابيب من الخزف.

أما البئر نفسها فكانت في وسط الفناء، بحافة دائرية أو مربعة. ولم يكن موضعها اختيارًا حرًّا: فمواضع الآبار والصهاريج كانت تحكمها قواعد غايتها منع النزاعات مع الجيران حول الجدران المشتركة والآبار المتجاورة والأساسات. وكانت لبعض الآبار دهاليز جوفية تصل بينها.

وتختلف الأعماق في المصادر، وتختلف لأنها تقيس أجزاء مختلفة من المدينة. تصف رواية آبارًا محفورة في صخر النيس والشيست، يبلغ عمقها نحو خمسين مترًا ويصل إلى سبعين بين القلعة وأسفل التل، ويرتفع عمود الماء فيها ثلاثين مترًا في الشتاء، وينخفض في الصيف حتى يصعب السحب. وتذكر رواية أخرى، تستند إلى حفريات حديثة، من ستة إلى اثني عشر مترًا. وكلتاهما على الأرجح محقة فيما نظرت إليه.

ولم يكن الماء جيدًا دائمًا. يذكر هايدو أنه رغم وجود بئر في كل بيت، كان ماؤها في الغالب مالحًا مرًّا لا يصلح للشرب.

من كان يجلبه فعلًا

كانت النساء في الأساس من يستعمل الآبار المنزلية ويتعهّدها، إذ كنّ مسؤولات عن ماء البيت للطبخ والغسل والتنظيف. وبما أن البيت ينغلق على داخله وأن الفناء قلبه، فإن هذا يضع الإدارة اليومية لأكثر موارد المدينة تنازعًا عليه في الجزء الوحيد من البناء الذي لم يره الزقاق قط.

وكانت الآبار بارزة إلى حدّ أنها أعطت اسمها للأرض من حولها. فاسمان من أسماء الأماكن في الجزائر ما زالا اسمين مائيين: بئر خادم، وبئر مندريس، وهو اختصار لـ«بئر مراد رايس»، أي بئر الرايس مراد.

الحمامات، وخلاف آخر حول العدد

كانت الحمامات العمومية المستهلك الكبير الآخر. يذكر مسح جمال بوسعة لسنة 2012 أنه لم يبقَ من نحو مئة حمام سوى ستة. أما نبيلة شريف صفاج، التي اعتمدت على الأرشيف العثماني، فوجدت أربعين حمامًا موثّقًا بين أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وقدّرت عدد القائم منها سنة 1830 بواحد وثلاثين، ووجدت أن أربعة وعشرين منها، أي ما يقارب ثلاثة أرباعها، هُدمت في العقود الأولى من الحكم الفرنسي.

وحدّد عملها الميداني تسعة، ثلاثة منها منهارة أو متدهورة جدًا، وخمسة في حالة جيدة: سيدي رمضان، وهو سابق للعهد العثماني ويعود على الأرجح إلى القرن العاشر أو الحادي عشر مثل المسجد الذي يحمل الاسم نفسه؛ وحسن باشا سيدنا من سنة 1550؛ وسركاجي والفويتة، وكلاهما من منتصف القرن السابع عشر؛ وسيدي عبد الله من أواخر القرن الثامن عشر.

أسطح قصبة الجزائر

كان كل سطح أيضًا مساحة لتجميع المطر. فقد كان على المالكين أن يصرّفوا ماءه إلى الصهريج تحت البيت.

ما الذي حطّمه

بين 1 و16 جويلية 1686 أطلق سرب فرنسي بقيادة المارشال ديستريه عشرة آلاف وأربعمئة وعشرين قنبلة على الجزائر. تجاوزت القنابل المدينة العليا وحطّمت القنوات.

ثم جفّفت الزلازل لاحقًا مجاري تحت الأرض فعانت المدينة نقصًا في الماء، إلى أن أمر علي باشا، الذي حكم من 1751 إلى 1766، بترميم السقايات وفرض ضريبة جديدة لتمويل ذلك. ولم يكن العمل في هذه المنشآت عملًا حرًّا: فقد كان العبيد العموميون يُشغَّلون في الجسور والقنوات والأسوار، وثار العاملون منهم في منشآت الماء معًا في 13 جانفي 1763.

وبعد 1830 تنقّلت المنظومة بين إدارات مختلفة، وبين 1840 و1846 لم تفعل مصلحة المباني المدنية (Bâtiments Civils) أكثر من ترقيع الأنابيب المعطوبة، وعندها كانت قناة عين الزبوجة قد توقفت عن إيصال الماء تمامًا. وكان التقييم الفرنسي الرسمي لسنة 1838 صريحًا: القنوات التي تجلب الماء إلى الجزائر سيئة التخطيط وسيئة البناء، وفيها انحدارات معاكسة تقتل الجريان. أما هل كان ذلك حكمًا هندسيًا أم ردّ فعل معتادًا من سلطة احتلال، فسؤال مشروع، ما دامت المنظومة قد عملت ثلاثمئة سنة.

الآبار هي الخطر الآن

هذا هو الجزء الذي يهمّ القصبة اليوم، وهو مفارقة حقيقية. فالآبار والصهاريج التي مكّنت هذه البيوت من الصمود أمام الحصار صارت الآن من الأسباب الرئيسية لانهيارها.

أحصى جرد أُنجز سنة 2009 في إطار المخطط الدائم للحفظ ثلاثمئة وثلاثًا وستين بئرًا في القصبة: سبعًا وستين مفتوحة، ومئة وأربعًا وستين مردومة، ومئة واثنتين وثلاثين مغلقة. وأحصى مئتين وعشرين صهريجًا: سبعة وثلاثين مفتوحًا، واثنين وتسعين مردومًا، وواحدًا وتسعين مغلقًا.

ومعظم هذا التراث المائي اليوم متدهور جدًا أو خارج الاستعمال كليًا، هُجر مع تغيّر عادات البيوت وتوقّف الصيانة. والنتيجة إنشائية. فالآبار والصهاريج المتدهورة تهدد استقرار المساكن، ولا سيما حيث تقع في قلب البيت، فتُحدث هبوطًا في الأرض وتسرّبًا للمياه. والآبار المسدودة أو المردومة بالأنقاض تزيد الضرر ولا تخففه، لأن الأساسات فوقها ترتكز على أرض جعلها تحلّل تلك المنشآت غير مستقرة.

ويذكر اجتماع الخبراء الذي عقدته اليونسكو سنة 2017 حول القصبة، ضمن تحديات الحفظ، تدهور الفضاء العام وبناه التحتية، ويسمّي الصرف الصحي والماء في المقدمة.

وإذا وُضع هذا إلى جانب آلية الوقف التي أودت بالمساجد، ظهر النمط نفسه مرتين: نظام بناء نجح لأنه كان يُصان، ونظام صيانة توقّف.

أربع كلمات

مفردات الماء

بئر

بئر الماء. كان لكل بيت تقريبًا في القصبة بئر، في وسط الفناء عادةً، وما زالت الكلمة حيّة في اسمي مكانين في الجزائر: بئر خادم وبئر مندريس.

الجب

الصهريج. خزان مقبّب تحت الفناء، مكسوّ بالجير والآجر المسحوق، يُغذّى بالانحدار من الأسطح فوقه.

السوترازي

برج ضغط على قناة ماء، من الفارسية والتركية بمعنى ميزان الماء. تقنية عثمانية جاءت من القسطنطينية، وهي السبب في أن هذه القنوات ليست رومانية.

الحبوس

الوقف الدائم الذي كان ريعه يتعهّد سقاية أو مسجدًا أو مدرسة. وكانت إدارة يرأسها كاتب السقايات تتولى الأوقاف المرصودة للسقايات.

لمحة سريعة

تواريخ وأرقام

كل رقم أدناه مأخوذ من المصادر المذكورة في أسفل هذه الصفحة. وحين يختلف مصدران في العدّ، يُذكر الاثنان.

  1. 0عدد مجاري الماء الدائمة في الجزائر. ليس للمدينة أي منها، ومن هنا يبدأ كل شيء.
  2. 9ينابيع مسجّلة حول المدينة وداخلها، تعطي ما بين نحو 25 و180 مترًا مكعبًا في اليوم.
  3. 4قنوات رئيسية بُنيت لتزويد المدينة العتيقة، بين منتصف القرن السادس عشر ومنتصف القرن السابع عشر. وخدمت ثلاث أخرى الريف.
  4. 8 مارتفاع برج السوترازي على قناة عين الزبوجة، بحسب مسح سلاح الهندسة الفرنسي في 10 ماي 1847.
  5. نحو 1619عين الزبوجة، التي تُعدّ عمومًا آخر قناة بناها العثمانيون في الجزائر.
  6. 200+قنوات المدينة وريفها، كما أحصاها النقيب روزي سنة 1833.
  7. 7 إلى 150نطاق أعداد السقايات المسجّلة، من هايدو في القرن السادس عشر إلى شو سنة 1738. المصادر مختلفة، والصفحة تورد أعدادها كلها.
  8. 73سقاية سجّلها نقيب الهندسة غويو دوكلو في 24 فيفري 1840.
  9. 1820الداي حسين يبني سقاية «كال أو فان». ونقشها باقٍ.
  10. 336 م³سعة الصهريج تحت قصر الداي، بأبعاد 10 في 7.3 في 4.6 أمتار.
  11. 20 إلى 25 م³سعة الصهريج المعتاد في بيت عادي من المدينة العليا.
  12. 1686سرب فرنسي يطلق 10,420 قنبلة على الجزائر بين 1 و16 جويلية، ويحطّم القنوات.
  13. 1763العبيد العموميون العاملون في منشآت الماء يثورون معًا في 13 جانفي.
  14. 363بئر أحصاها في القصبة جرد مخطط الحفظ لسنة 2009: 67 مفتوحة، و164 مردومة، و132 مغلقة.
  15. 220صهريج أحصاها الجرد نفسه: 37 مفتوحًا، و92 مردومًا، و91 مغلقًا.
  16. 6حمامات باقية من نحو مئة، بحسب بوسعة. أما شريف صفاج، التي اعتمدت على الأرشيف العثماني، فتحصي 40 حمامًا موثّقًا و31 قائمًا سنة 1830.

تابع القراءة

إلى أين يقود هذا

رواق مكسوّ بالزليج في بيت من بيوت قصبة الجزائر

العمارة

البيت، والزقاق، والسطح، وكيف يصمد أيّ من ذلك.

اقرأ

الأسوار الدفاعية فوق قصبة الجزائر

القلعة

الحصن الذي أعطى الحيّ اسمه، ولماذا كان الماء جزءًا من دفاعاته.

اقرأ

سقاية في أحد قصور قصبة الجزائر

الدور والقصور

خمسة بيوت عثمانية، والسقايات التي كانت تقوم فيها حيث كان للبيت العادي بئر.

اقرأ

قصبة الجزائر

سجلّ مستقل للمدينة العتيقة في الجزائر: عمارتها وتاريخها وأهلها. يكتبه ويشرف عليه سي بشير سمير.

© 2026 casbah-alger.comكل رقم في هذه الصفحة يمكن تتبّعه إلى المصادر المذكورة أعلاه.